ملحوظة عابرة عن فيلم الكنز وواقع الحرفة الآن

احنا بقي عندنا مشكلة خطيرة فعلا يا جماعة في السوق، الناس من كتر ما اتعودت على شغل النحت نسيت الشغلانة والفن. افلام زى الكنز او الاصليين رغم الطموح العالي فيهم، لكن سقف الافكار والخيال والتنفيذ لا يتجاوز مستوى اعلان سمنة منحوت من اعلان زبدة امريكانى. علشان كدا حاجات زى افلام بيتر ميمى وامير كرارة واحمد السقا فيها منطق ونضج اكتر من المستوى الركيك اللى طالع عليها الافلام دا.

ايمن ابو المكارم دا مثلا مدير تصوير اخره يصور سيت كوم وتوريه قبل كل مشهد الريفرينس اللى يشتغل عليه، تجيبه في حاجة زى الكنز فينور معبد فرعونى بكينو ونيون ومفيش شعلة نار او مصباح زيت واحد ويقعد يكافح هو وشريف عرفة علشان يعملوا اى حاجة عميقة او مغايرة فيجيبوا درونز تصور، فالدرون وهى بتصور يقوم يبان الكاميرا واللوكيشين، … والمفروض لسه ان فيه انسانة قاعدة على المونتاج بعد كدا قصت وعملت المشهد عادى، وقدمت لنا دا وراحت تنام بدون ذرة تأنيب ضمير 

.لان كل اللى شغالين اتعودوا مش بس على شغل النحت والريفرينس، لكن كمان ان يكون فيه عميل يشوف الشغل قبل عرضه وان العميل هو اللى بيتحمل مسئولية العمل، فعادى واحدة قاعدة على مكنة المونتاج عماله تخرف ونايمه على المكنة ومخرج كبير يطلع لنا فيلم بالركاكة التقنية دى

مسيرة الديك

يقال أن الديك. هذا الحيوان ذو العرف الأحمر الأليف كدجاجة تمتلك قليل من عزة النفس، هذا الطير النبيل ذو المنقار الحزين، يقال أنه يبيض.

بيضة واحدة في العام. حتى الأسطورة الواقعة بين المعلوم بيولوجياً والمتردد كسراب فولكلوريا لم تمنح الديك غير بيضة واحدة. أي مأساة هذه؟

تخيل كل مرة يشعر الديك بحرقان في معدته أو فتحته الشرجية يشك أن هناك بيضة في الطريق، لكنها في الوقت ذاته قد تكون وهماً. بين الشك والحيرة في رشاقة ينتصب على خيط رفيع. الديك أيضاً مضطر لأن يجد نفسه في عدد من المواقف غير المفسرة. مَدفوعاً بكيمياء بيولوجيا يظل يصدر صوته المحير “كوكاديل.. كوكو كوكو”. وأن يتحول مزاجه من الحالة التأملية الواقف فيها شامخاً أمام الشمس في غروبها إلى حالة بهيمية يطارد فيها الدجاج ويقفز عليهن هنا وهناك.

2012-12-10 13.08.36
من تصويري 2012

أيها الديك النبيل!

أي مصير تعس كان يجب أن تدفعه، من أجل أن تحفظ مكانتك منتصباً، عزيزي ذو البيضة الواحدة

اجلس ها هنا

دعنا نشرب سوية، فالزجاجة لا تزال ممتلئة

والشوارع ليست طيبة في الخارج

هاهو المعطف يحترق

فلا حاجة لكى نأخذ الشمس في قلبنا، ضعها هنا فوق المدفئة

علها ترغب بقليل من الراحة

الشمس متعبة عزيزى الديك

فقط هذا مصيرها.. مثلما هذه مسيرتك

1

كان هذا الشتاء، وفي إطار مسيرتنا البائسة كنا مضطرين لقضاء ليلة رأس السنة في مدينة البؤس المتجدد “المنصورة”. والإرهاق مسيرة أنهار تحفر مجاريها على الوجه. بنوا أمام مبنى الجامعة عمل ما يفترض أنه ينتمى إلى الفن الحديث يتكون من مجموعة من الكتب الضخمة مصفوفة في ميدان ليس بالميدان، وعلى أطراف المدينة المختنقة ببؤسها وحزامها الزراعي حملت بين يدي نسخة مما سيحمل بعد ذلك عنوان “روجرز”. لم أكن أعلم ما الذي يمكن فعله بهذه الجثة.

أمسكت الملف بين أصابع يديها، وكانت أظافرها قصيرة حيث اعتادت أن تأكلهم لسنوات كما بهيمة الصغيرة داخلها مجرة كبيرة. وكنت أعرف وأبحث عن باب للمحيط من خلال ابتسامتها. كان المشروع الذي حلمت به طوال سنوات المراهقة والجامعة ينهار بين يدى بعد اكتماله، يتبدى سخيفاً كما “الكلوت” الذي ارتدته أول مرة نمنا فيها مع بعضنا البعض.

ويا إلهى، تخيل بعد كل هذه الأعوام، يأتي التافه كما “المذى” يتساقط من الزب “كينى ويست” ليقولها حقيقة على قد ما تبدو صادمة، سطحية في الوقت ذاته.

ما من كنيسة هنا عزيزى الديك لتتصدر المشهد

ما من زخرف

لا متاع

لا لهو

لا صياح

لا رقص

.. أو موسيقي ميتة

هذه القصة صارت من قديم الزمان، هذه القصة صارت من أعوام.

n540375930_498819_4339
من حفل توقيع إطلاق رواية روجرز 2007

2

هذه الرؤيا..

حوت يسبح نائماً كمن في سراب حلم لنجيب محفوظ، يحمل فوق ظهره جمل من النوع ذو السنام الواحد، عليه ديك أشقر زاهياً بحزنه، وبخيط الدم السائل من جرح في فتحته الشرجية.

3

كان (ش) زميلاً في الدراسة وشخصية للآسف تفرض نفسها في حياتى لأسباب يطول شرحها. في الوقت ذاته ابناً لعائلة بنت متناكة تعمل في مجال المقاولات في الحى العجائبي المعروف بدار السلام، وكان ل(ش) أخاً ابن متناكة أحياناً ما يظهر معه زائراً لشقتى المشتركة وقتها. وكنت مضطراً لتقبل صحبة ابن المتناكة أخو (ش) بسبب ورق البانجو الذي كان يحضره معه.

ولقد حاول أخو (ش) إغوائي دوناً عن كل الناس لسبب ما أكثر من مرة بتجربة “الانجكة”، إلا أننى لطالما قرفت من ابن المتناكة، وأى حاجة من طريقه أو سكته.

ثم أن ابن المتناكة كان يحكى كيف أن أحد العاملين في مخزن من مخازنهم اختلس ما يوازى تقريباً 500 جنيه، فقاموا بتكتيفه وسجنه في أحد المخازن لبضعة أيام وتعذيبه ثم إطلاق سراحه.

لا أعرف لماذا شعرت بقرف بالغ من ابن المتناكة هذا، لا بسبب الشغف الذي يحكى به عن التعذيب بل لتفاهة العمل كله، أتذكر أنى قاطعته بينما يحكى:

-هو حد فيكم يا زميلي في الحفلة دى ناك الواد دا؟

انقلب وجه فجأة للون الأحمر، توتر الجو في الغرفة وكان هناك جوب، واللى معاه الجوب مش بيحور.

نلتقي بعد الفاصل..

4- ذكر ما جرى في “مجاز الباب”

تقدمت امرأة للقاضي تشكو له قسوة زوجها في معاملتها، فلما استوضح القاضي الشهير ببسمته الودودة، كشفت المرأة عن سروالها فبان على مؤخرتها آثار أصابع وضربات ولون أحمر وما يشبه الجروح. كانت المرأة ذات بشرة بيضاء، تزداد نوراً فوق نور عند كفلها، كأنها قبة وتحت القبة شيخ كما قال مولانا.

هز القاضي رأسه، وربت بيده اليمنه فوق كرشه الصغير، حيث يحتفظ في معدته بتمثال لبوذا -الشخصية الفلكورية الهندية- ثم هز رأسه بمعنى “سننظر في الأمر”. وبعث في طلب الرجل، أجلسه أمامه وأخرج “خيرزانة” وضعها بجوار ساقيها، خاطب الراجل “لماذا تضرب امرأتك”. رد الرجل “حاشا وماشا سيدى.. لم يحدث فأنا أحبها”. أجاب القاضي: “لكنها أرتنى آثار الضرب وأصابعك”. رد الرجل “هذه أصابع الحب سيدنا”.

بهت القاضي، ولم ينطق البوذا في كرشه محتاراً.

5

نظر أخو (ش) ابن المتناكة لى شذراً، هذه النكرة، حثالة طفيليات المجتمع المصري من همل ورعاع، وقال:

-لا طبعاً.. استغفر الله، أنت مجنون يا ابنى… تلميس الطرابيش دا حاجة يهتز لها عرش الرحمن عز وجل من فوق سبع سماوات

مددت يدى وتناولت الجوب من يد كس ام ابن المتناكة، أخذت أول نفس بهدوء، وقلت:

-تصدق.. أنك ابن متناكة

2953130374
جورج وسوف

6

صحيح..

وليه يا حبيبتى نسمعهم؟

7

ليل/خارجى

زقاق ضيق أمام مقر جريدة الفجر- حى مونفلورى- تونس

سيارة شرطة تصل إلى الزقاق، لا صوت أو حركة لكن كل العيون تتابع وهى تكتم أنفاسها من النوافذ، تترجل من السيارة شرطية “زبورة” زميلها يتبعها، غير مقدر لخطورة الموقف عيونه تتبع مؤخرتها في السروال الضيق، تتقدم الشرطية “الزبورة” من قوة التدخل إلى البناية التي تقع فيها مقر جريدة الفجر التابعة لحزب النهضة الإسلامي –انيكك تقول تانى- أمام البناية تتمدد جثة السياسي اللامع ذو المعجزات البارع الحبيب اللوزى، ممدة كمن مات للتوا برصاص القناصة، لكن سبحان الله ما من دم يخرج من أي مكان.

تتعجب الشرطية، تقترب منه مهرولة:

-سي الحبيب، اسم الله عليك، اللطف عليك.. سى الحبيب..

تركع الشرطية وتجلس على ساقيها وتأخذ رأس سى الحبيب بين فخذيها، تهدده كأم رؤوم تشرب الروم –أنيكك حتى لو انت مش مخروم- ، سى الحبيب فجأة –صلى .. صلى- يستفيق من غفوته كحوت يشرق من تحت الماء والشمس تغرق للمنتصف في رحلة الغروب.

هذه نهاية كل بدايات وملذات البهجة عزيزى الديك. هذا ما لديك، القلق وحتمية الأفعال.

تفتح الشرطية أزرار قميصها، تخرج نهدها محلاه، يتلقف سى الحبيب الحلمة ويأخذ في مصة، يستفيق الحبيب كعنقاء تشرق من رماد أعمدة قرطاج –تشبيه بليغ- يقف سى الحبيب، والمرأة الشرطية تحت قدميه، نهديها عاريين والشرطى يركع بعيون دامعة، وسى الحبيب يضحك:

-نيك رب زب أمكم، استغفر الله العظيم، كانوا فاكرين أنهم ممكن يغتالونى.

8

أوه.. ايت تيرنس مى أون.

 

 

9

في إسطنبول، وقت متأخر ربما قبل شروق الفجر، كانت ترتدى شورت جينز، نحمل في حقيبتها مشط زجاجة ويسكى وزجاجة ماء صغيرة، نغادر “استكلال” ونسير في حارات شعبية فرعية بعيدة، حتى نصل لشارع رئيسي، هناك بارات شعبية، أكشاك، مواقف للميكروباص، ولا نتوقف عن الضحك رغم آلم الأسنان الذي يضغط على فكى.

boris-mikhailov.jpg
فوتوغرافيا: boris-mikhailov

وهناك تلك الرائحة، الشيء الأكثر ازعاجاً في إسطنبول في كل حى تداهمك رائحة لشيء ما، تنظر حولك فلا ترى آثر له، “يشار كمال” تحدث ذات مرة عن هذا المذاق الكثيف لرائحة إسطنبول. قد تكون في سلطان أحمد فتشم رائحة مصانع الجبن القريش المصري ولا تجده، قد تكون صبحاً في استقلال فلا تجد أي آثر لأشجار الياسمين، والآن كنا ليلاً فداهمتنى رائحة تفاح أخضر، ولا تسألنى بكس أمك ما هي رائحة التفاح الأخضر.

ثم كان أن وصلنا لحديقة صغيرة، وبينما يدى تعانق خصرها الضيق قالت: “عايزه أعمل بيبي”

وقفنا في الحديقة، سكارى كما أسلاف قدماء في بحر من خمر الجنة، نظرنا حولنا وتأكدنا من خلو المشهد، وتصنعت كأنى أدارى عليها، بينما أزاحت هي الشورت وجلست لتبدأ في التبول. خيط أصفر كان يخرج من كسها على العشب الأخضر. جلست وفتحت بين فخذيها، رفعت حاجبيها فوق عويناتها كمن يراقب في الظلام، وحينما التقت عيوننا ابتسمت وانهمر الماء من كسها، كأنها تلك الطمأنينة الأبدية بينكما.

 وداخل أحد القصور السلطانية تمددت على العشب في الشمس، والشبق والرغبة سلسلة مربوطة بمرسي حديدى عملاق تجرنا إلى الأسفل نحو أعماق الباسفور.

وضعنا في ذلك الوقت النواة الأولى لمتحف ألعابنا الجنسية، وبهذه المناسبة حملت لها “فايبروتر” مرصع بزجاج ماسي، ورأس جلدى صلب. وحينما ودعتنى في موقف الميكروباصات، قبلتنى على خدى وأكدت: “أنا أخدت الفايبرتور”..

هل مازال يهتز؟ هل مازالت الرعشة المنتفضة تفعل فعل مداهمتها، هذا جيد، على الأقل أحدنا مازال حياً وقادراً على ممارسة الحياة.

10-أشياء مؤسفة عن النجاح

+لن تعرف الصبر ولا لذته المازوشية.

+الوفاء فقط يشمل القضايا الخاسرة.

+الجسد يشيخ، ولا شيء يعوض ذلك.

+فراق الحبايب أصعب من طلوع الروح.

+كل ما هو خارج من مجتعمات إنسانية مخلقة في إطار النظام العالمى المعاصر لا يعول عليه.

+حتى من سيتحملك لن تتحمله لذا لا تحمل في انتظار مقابل، دينك ستدفعه غداً إن لم يأخذك ملاك الموت.

+كفاية عليك، وابقي تعالى بالليل وأنا أوريك الويل.

11

نظرة آخرى على إعادة تعريف الإنسان “البضائي.”

12

بلاد العجائب في أليس، نسخة انجليزية في مترو القاهرة. فتاة الإشعاعات تتحدث إليكم من خارج المجرة.

13

طيب ماخدتش.. ماخدتش.

n903460533_3648218_4996
أحمد عدوية

14

في تلك الليلة، سترت كسها باندر وير أسود، ووضعت ما يشبه الشال الملون بخطوط ما بين الأحمر والأزرق والكحلى، شدت شعرها وربطته خلف رأسها، بانت عظام وجهها، والذقن المثيرة للأكل. هل من حنجرتها؟ هل من ضوء الأباجورة الخافت؟ هل من أشجار الياسمين؟ هل من شعر السجادة الذي يحتاج إلى الحلاقة؟

من أي مكان “هل” كان يأتي الصوت كأنها صوتها شافيلا في أغنية قمرنا، وكانت كل الطاقة في جسدى تنسحب من الشرايين، ولا شيء أملكه.

15

وفي تلك الصباحات حيث البسمة قريبة. استجمع الطاقة التي تتبدد من الشرايين، وصوت عبد الفتاح جرينى وقصي يأتى “وأنا بشكى بصوت قلبي للنسيان.. إلخ”. أقول كل هذا الركض اقترب من النهاية ويبدو الشاطئ كما يقولون قريباً.

16

إذا تكلمت بضانى فسوف تقول أن أكثر ما آلامها، ويؤلمه في هذه المسيرة هو صور ادعاء المثالية الزائفة؟ ببساطة لأن الحقيقة عمرها ما تموت يا آكوكو…

17

تأخذ المدونات مساحة بين ما هو خاص وعام في شيطنة عجيبة يصعب مقاومة إغرائها ويصعب مقاومة ادعاء أنها لا تفتح الباب لسجل لآثار حوافر البوم والخفافيش والحداية وغيره من الطير الجارح.

18

وبينما أحمل “صبارة” صغيرة، وأبحث عن مكانة لكس أم الباركنج في كس أم القاهرة، ينفجر صوت عدوية وعيونه تنظر للدور السابع والعشرون ويقول “شباكها من ستاير/ ومزيانة عنابية”. أعثر على مكان فارغ ويظهر وحش الباركنج ليأخذ المفتاح، ينتقل عدوية وخلفه الكورال النسائي “نظرة.. نظرة فوق، ونظرة تحت.. ياللى فوق”.

لكن يا عدوية اتجه نحو الأسفل، هاهى المدينة وكل المدن التي عبرنها معاً خلفي وأنا اتجه لأرض آخرى تحت البحر. كل المدن أعنيها يا عدوية؛ بداية بهامبروج الحبيبة حيث غنيت موال الخسيس، وخبرتنى يا مولانا: “الصاحب اللى يخون عيشك/ لابد يوم تنساه.. والخسيس خسيس مهما الزمن علاه” والله عليك يا أبو السعود وزمن الأكورديون.

وفي أوستن تكساس بينما الطفيلية البترولية يخوض الانتخابات ضد أوباما لكزتنى مذكراً: “قال دا في حد فيها مخلد.. / قلت له لأ،

قال أيه يكفي ابن آدم/ قلت له طقة

قال أيه يعجل بعمره/ قلت له زقة”

وفي باريس يا عدوية في ليلة باردة في محطات مترو حقيرة قلنا “تيك.. ايت إيزى” بالراحة بشويش كله إلا الجيش، دخلته وحياتك يا عدوية، ووهبت قلبي ونفسي راهب في معبد تلك الأرداف العظيمة، وكان هذا الشروق اللامع لشهوة الحب الضائع.

ونحن نصعد هذه السلالم في بيروت وأنت تقول: “والله لأجيبك برضاك يا بلح/.. يا ما جرالى/ واطلعك فوق قصر عالى.. يا بلح/ بربعامية سلم.. وكل سلم عليه بنت بتوحد الرحمن.. يا حاللى”.

19

يإلهى كأنى أفهم فيلم “دعاء على حس الكلاب” لشريف العظمة رغم أنى لم أشاهده.

20

بيبي، لماذا يتوقعون أحاديث سعيدة بعد الثورات؟

لقد كنا هناك، وسط الرصاص وقنابل الغاز ولم يكن شيئاً جيداً، عرفنا ذلك منذ البداية وتبادلنا القبل وقت الحظر. كأنه الفراق، كأنها مواساة.

10441419_10154259881305541_553298798796366136_n
من أرشيف مظاهرات التحرير من 2011 – 2012

21

يأتي أحمد عدوية كأسطورة متكاملة، محمية ومدججة بالتاريخ والحكايات الخرافية كما كل الأساطير. أتذكر أنى كنت طفلا ربما في الخامسة أو السادسة حينما كان سائق السيارة التي تقلنى من المدرسة إلى المنزل يشغل أغانى أحمد عدوية، ويحكى عن السلطان عدوية الذى تترمى النساء تحت قدميه، ويرتدى جزمة ذات كعب من الذهب.

وحتى بينما اعبر بمرحلة الموسيقي الأجنبية والروك وغابات الميتال مراهقاً، وحتى حينما وصلت لمرحلة الاستقرار الموسيقي، فطوال هذه الليال والأيام.. عدوية هو السلطان، وأينما ظهر طيفه فلا أملك إلا الخشوع، وتجميع شذرات الحكايات والأساطير  والاستسلام لهذا الخدر الخفيف الذي يتسلل كسم مثير للشبق ومهيجاً للروح من صوته وأغانيه.

أحمد عدوية هو الأسطورة الوحيدة التي عرفتها منذ طفولتى المبكرة وحتى الآن لم تهتز لحظة، ولم يخفت وهج تأثيرها، أو إشعاع روحها، بل يزداد وهجاً على وهج، ونور على نور.

وبينما أكتب هذا النص لموقع “معازف” المتخصص في النقد والانطباعات والمتابعات الموسيقية أشعر بحرج بالغ لعجز منطقي العقل وحسي النقدى في كل ما يتعلق بعدوية، وضعفي أمام الخدر والدلع الذي تثيره الصور والذكريات والمترادفات بمجرد ذكر اسمه مولانا السلطان طويل العمر يطول عمره.

أشعر أيضاً أن تلك اللحظة لم تأتى بعد. لا لست مأهولاً ولا قادراً على الكتابة عن عدوية، لا أبسط قواعد المنطق المعرفي، ولا الشجاعة للجرأة على المقدسات الوجدانية امتلكها للكتابة على عدوية، لكن ها هنا.. أخصص هذه المداخلة لموال بسيط لعدوية، وقعت في سحره على مدار سنوات، ومازالت صوره تتجدد وتتغير وتكشف عن عمقه ما يجعلنى دائماً غارقاً في سحرها الساطع كما الشمس على سطح البحر..

يفتتح موال “يا نجمة يا أخت القمر” بإيقاعات كهربائية ذات روح سبعانيه، كأنها شفايف “الكوكوروتشي”. وهناك في الخلفية كمنجات، ورق، وطبلة، ومزمار، وأكورديون، حفلة جنس جماعى خافتة تحتاج إلى تركيز وصفاء تأملى عالى، ثم يدخل صوت عدوية شاباً لكن كأنه رآى كل ما يجب وما تنفع رؤيته.

“يا نجمة يا أخت القمر/ قولى لى مال بختى../ بقول يا نجمة يا أخت القمر..” عدوية محتار من البغددة، والأكورديون  تحت ذراعى وفوق صدر وكرش الرايق دايماً حسن أبو السعود، يلعب في تقاطعات كأنما سكران يصعد سلالم أحلامه نحو الشمس بعد طرده من بار رخيص.

وفي النسخة الأكثر شهرة تلعب تقنيات “الاستريو” كما في معظم أعمال عدوية بعداً سرمدياً، خصوصاً مع القفزات التي يقوم بها الأورج ليخرج نغمات فضائية، يا إلهى هذه كانت ذات الفترة التي خرجت فيها أفلام كاميرون وحروب النجوم والمجرات، وعدوية يسير فوق سراب، يدخل الكهرباء إلى فن الموال، ولا أحد في هذا العالم الحقير يرفع ولو حتى القبعة شكراً..

وعدوية لا ينتظر، هو يعرف مصيره كما أي أسطورة من الدراما الإغريقية؛ “إن كان نصيبي كدا/.. أنا هرضي بنصيبي” وما الذي قد ينتظره سلطان كعدوية ملك الليل المتوج لعالم لا تحلم حتى أن تقف أمام بوابته.

أسطورة آخرى سأعرفها حينما أكبر كان عدوية يدخل شارع الهرم الساعة الثامنة، يخرج منه الثامنة صباحاً بعدما يكون قد طاف وبارك كل الكباريهات في شارع الهرم. ينحنى عادل إمام ويقبل رأس السلطان، وفي لندن يستوقفون الملك بينما يشرب كوب الشاي الصباحى ليحصلوا على توقيعه.

موال “يانجمة يا أخت القمر..” جوهرة فريدة من جواهر عدوية التي يلقيها كما طير عبر يوماً بوداى خلف جبال الوقواق وعادى ليلقي بإهمال الأحجار الكريمة التي تعكس أشعة الشمس فتضايقه، يخاطب عدوية الحلو بأسلوب شاعرى يتلاعب بضمائر المخاطب لينتج متاهة مُتشَابكة ترتفع بالمستمع لأفلاك عابرة “من بعد نوم العلالى.. يا بلح/ نيموك على الخوص.. ياما جرالى/ والله لأجيبك برضاك يا بلح.. يا ماجرالى..

واطلعك فوق قصر عالى يا بلح

بربعامية سلم..

وكل سلم عليه بنت بتوحد الرحمن

يا حاللى….. “

بين كل جواهر أحمد عدوية تقف يا بنت السطان كحجر جهنمى مجرد التفكير في مسه كفيل بإشعال النار في خلايا مخك الرمادية، هذه الجوهرة يقف عليها عدوية شخصياً في المقدمة حيث الزفة البلدى يقول: “واحد.. اثنين.. ثلاثة.. أربعة، بص شوف عدوية هيعمل أيه../ الشنجر بنجر نو عدوية هيملا الجوا/ الشنجر بنجر نوا.. أحمد هيملا الجو”

لكن بالضبط خلف هذا البناء الشامخ لموال وأغنية يا بنت السلطان الأسطورية، يقف موال “يا نجمة يا أخت القمر” من السهل التقاط الإشارات بين الأغنيتين، وهذا التردد للروح الكهربائية الشعبية، تلك القفزة الأسطورية التي حققها عدوية مبكراً كمن يرفع كأس تكيلا في دفعة واحدة دون ملح أو ليمون لأنه صاحب معدة مدربة على براندى 84 المقدم في قاع كباريهات وسط البلد بالقاهرة المدينة الأكثر وحشية في دائرة قطرها قارتين على الأقل..

هذا هو قاع أرواحنا القاهرة يا عزيزى.. أحمد،

وسط كل هذا الضباب الكونى، حيث “يوم يجى عقلك في راسك ويوم بيتوه”، وحيث تنعل البحر وسأم موجه الأبدى، يفتح عدوية ثقباً في السماء، عمل فريد من نوعه يمكن وضعه بجوار “استار واى تو هيفن” لليد زبلين أو الويش يو هير للبينك فلويد..

أنك تصعد في هذا الموال نحو جنة في قصر مشيد بقمة جبل مرتفع خلف وادي عميق، تحتاج للجلد والتجلى وقلب شفاف لكى تقبض على روح الموال الصوفي المطعم بالبلح، والخوص. وهذا التقشف وتلك الرغبة في التحقير الذاتي التي تنقلب فجأة لتحدى بأنى سأجيب كس أمك في مشهد مهيب..

كيف يمكن أن تحى فرحاً تتزواج فيه النجوم التي تخلق المجرات والأساطير يا عدوية؟ كيف لك أن تخلق النجم أوميجا الذي عنه تنبثق ملايين الشموس والنجوم المنفجرة والمجرات الآخرى..

أربعائمة سلمة يجب أن نصعدها معاً يا حمادة، وفوق كل سلمة بينما يزفنا أكورديون أبو السعود، هناك بنت بتوحد الرحمن..

صلى على النجوم الزاهرة.

The_Sorrows_of_the_King
لوحة لـ : Henri-Matisse-

22

انظر خلفك..

هاهى أعمدة الملح شامخة

وهناك “روج” على شكل شفاه كأنها يمامة تتعلم التقبيل فجأة وسط عاصفة

غارقة في المطار

ومغامرات ليلية مع زك أم الشرطة وقوات التدخل وأضوائها العالية

بينما نعبر بحيرة من الماء داخل “الكرهبة”..

جثة جاك كرواك تطفو محترقة

كأرنب على وشك الموت.. لا أنبت بشفة

ولا صوت يخرج من الحنجرة

فزعنا أغلق النافذة.. كرواك ميتاً في بحيرة من مياة المطر

و “مونى مى” تستغيث من هولوكست في القلب

ليلة الشموع

هذه ليلتى… أو كما حكم علينا الهوى..

هذا الثور المذبوح،

خصيتاه قرباناً.. لرحيق أنفاسك،

لا يوجد “يوتيرن” على طريق المحور عزيزتى –غزالة ترعى-

لا مفر..

ضعى القبعة،

فهذه الشمس

لا مفر..

ارتدى وشاحك،

فالسرطان ينمو فوق ساقي

لا مفر..

لا مفر

لا مفر

23

أوف هذا الرقم “23” أين كنا وقتها يا حمادة؟

يا إلهى 2008، كم أشعر بالشفقة لكن لا مفر من المطحنة على الجميع، الهرمونات تحترق هنا، ولعها..

وكما قال المرحوم “يا لعبك.. يا لعبك”

24- ملذات الدراما على طريقة تارنتينو

لنحكى عن الحاج جمال إبراهيم.

أولاد الأصول منكم، وأنا عشمى فمن سيتحملون معى إلى هذا المستوى سيمتلكون خلفية معرفية ومستوى محدد من الذائقة القرائية، أن يتذكروا هذا الشهاب الذي لمع كعاشق خط سطراً ومحى، والمعروف باسم على صالحين..

لقد تشرفت في سلسلة من الصدف النادرة أن حضرت للراحل على صالحين في فرح شعبي في محافظة المنيا، ووسط أنهار البيرة والبانجو وقبلها الملوخية بالشطة وجولة صباحية في بن حسن كنت أرفرف من بضانى لما فوق السحاب، ثم تجلى على صالحين.

أوه هل كان 24 أم 23.. أم ربما قبل هذا ببعيد، كما تلك التجعيدات والجبال والوديان الصغيرة فوق ظهر السلمندر البري.

في لحظة ما التقت عيونى مع عيون “على” وحينها نطق جملته مشيراً بأصبعه على: “حد ينسي نفسه..” ربما لم تتجاوز في زمن نبضات الساعة ثلاث ثوانى، لكن رأيت أوهام وصوراً كاملة عن كل ما سيكون، وحينما آتانى خبر رحيل على صالحين كما رأيت، تحققت من كل ما سيكون..

كنت مع “سلومة” في النادى اليوناني الحقير بعماد الدين، وقلت هذه أوهام، ثم في رسالة نصية قصيرة انهار العالم، عرفت أنه لا يمكن جمع الشتات الآن.. لكن ما هو أجمل من مشاهدة النهايات

أو كما قال على: “هوب.. هوب/ صب.. صب صب”

هو الشغل كدا يا رحال، أهم من الفن الاتقان في الفن.. والحاج جمال إبراهيم

25

مفيش حاجة اسمها حب..

………………. لو عايزه حاجة.. هات لها جوب

جرافيتى في مدينة 15 مايو

26

ويقول بشار بن برد عن الإنتظار:

قد زرتنا مرة في الدهر واحدة ثنّي/ ولا تجعليها بيضة الديك

27

وعلى فترات متباعدة لكن محسوبة ذات إيقاع زمنى شه سنوي، تزورنى الكوابيس. كنت أقوم مفزوعاً وأحياناً بعيون تغرقها الدموع. وكانت بجوارى لا تستوعب ما جرى وتظل مكانها رابضة. وحينما تداهمنى حالات التعب واضطرابات المزاج غير المبررة أو المفهومة، كانت تتقوقع داخل ذاتها.

تقول: “أنت عايش جوا دماغك”.

ولا أجد إجابة، أو مخرج.

لكن شكراً. كان الهجران والآلم ممراً لاكتشاف ما هو أعمق، ربما الآن يمكنني إن امتلكت الإرادة أن انقذ نفسي من مصيرها التعس الذى ينتظرنى في المستقبل، وربما كما جدى يمكننى أن استمر إلى ما لا نهاية في تناول الدواء الذي كان يتناوله من أكثر من ثلاثين عاماً. الآن فقط صرت أمتلك إجابة لما لست سعيداً، ولدى اختيار بين مسارين، ومصيرين…

في النهاية أرواحناً، ليست انعكاس إلا لكيمياء جسدنا، لكن لعلكم تعلمون.

28

في عمره القصير المليء بالإحباطات، وبعد فشله في معظم العلاقات التي حاول بناءها، ورغم قناعته بأنه لا مجال لتحمله، وليس في قلبه حب ولا طاقة يمكنه منحها أكتر مما منحه لحبيبته في خطاباته الشهيرة. قرر كافكا الاستسلام لمغامرة غير محسوبة العواقب في عامه الأخير والانتقال إلى برلين لكى يعيش مع صديقته الجديدة “دورا”.

الأسطورة تقول أنه كان يتمشى في حديقة القمر “ماوير بارك” في برلين حينما لمح فتاة صغيرة تبكى لأنها فقدت دميتها. تقدم كافكا من الفتاة، وبسبب كذبة بسيطة حاول بها التخفيف من ألم الفتاة، قال:

-لكن دميتك لم تضع، لقد ركبت القطار وذهبت في رحلة.

“وكيف عرفت؟” سألت الفتاة.

“لقد أرسلت إلى خطاب” أجاب كافكا

“وأين هذا الخطاب؟” سألت الفتاة.

“في المنزل، لكن لو انتظرتينى إلى الغد سوف آتى لك به”. أجاب كافكا.

وبوجل كمن يكتب عمله الآخير جلس كافكا ليكتب خطاب مرسل من الدمية إلى الفتاة، في الخطاب تخبر الدمية الفتاة بأنها قد تعبت وملت من المدينة لذا قررت آخذ القطار والذهاب إلى مكان آخر. لكن الفتاة لم تكتفي بخطاب واحد فقط، لمدة أسبوعين ظل كافكا يكتب الخطابات على لسان الدمية موجهة للفتاة، والدمية تخبر الفتاة بحياتها الجديدة وكيف تعلمت أشياء جديدة، وصنعت “تاتو” على ظهرها، والتقت بدمية آخرى، وتمت خطبتها، وفي خطاب الدمية الآخير قالت الدمية أنها لن تسطيع مراسلة الفتاة بعد ذلك حيث أنها ستتزوج بالدمية الآخرى، وسيكون لديها أطفال آخرين مثل الفتاة يحتاجون رعايتها.

بعد أشهر قليلة من هذه الواقعة توفي كافكا.

 

خضر العمائم نادوه فأجاب

نشرت في 2014 بعد رحيله

التقيت بساقي الأرواح في مناسبات عديدة. حفلة بحديقة المركز الثقافي الفرنسي حضورها من الدبلوماسيين والأجانب ونخبة فرانكفونية. مولد السيد البدوى وسط أمواج لا نهائية من البشر والدراويش. بجوار السيدة زينب وسط الضحكات الرائقة والأنفاس العالية وستى الكريمة بتسقي بيدها. مع “بارمان” من الشمال الأوروبي في حفلة بساقية الصاوى وسط محبين للساقي من كل الطبقات والثقافات.

كل القلوب إلى الحبيب تميل. والقلب شرط المحبة، إذا لم تمتلك القلب سترى الكأس خاوية. بينما هو يناديك معه في طريق لسبيل الست الكريمة، بدون شوائب ولا عكارة يقدم الماء هناك من نبع فياض، يوقد من شجرة من أسيوط منبعها الحواتكة بمركز منفلوط، سيقولها الساقي لك وهو يقدم نفسه. وبخبرة من تعود على مثل هذه اللقاءات والمناسبات، سيجلس صامتاً أمام الكاميرا، وفي يده كوب الشاي. يأخذ رشفة، ثم يظل نظره معلقا في اتجاه الكوب ثم للكاميرا ولك مرة ثانية. حينما يطلب منه “البرديسور/ المنتج” الأمريكي الذي يعد فيلما تسجيلياً، سينطق الجملة بأليه “اتولدت سنة 1932 الحواتكة مركز منفلوط”. وحتى هذا الأمريكي المتحمس بلا داعى سيسقيه. سيرفض سجائرك، وسيخرج علبة السجائر السوبر الكليبوترا مدعوكة، والنفس الأول مثل الجمرة، تشتعل وتزهر مع كل نفس من الروح.

شجرة التونى تضم جيلاً كاملاً من منشدين الصعيد على مذهبة ومن جوقته خرجوا، لكنهم ليسوا تلامذة، وليس لطريقة التونى من تلامذة. مهما صغروا أو كبروا هم رفاقه وأحبائه. هناك خليط كثيف المكونات فيما يقدمه ساقي الأرواح. مقامات مدهوسة ومخلوطة في ارتجال آلات التخت التي تسبح في حرية كما النجوم للجاهل، لكنها مربوطة بناموس عامود خيمته هو الساقي. يمد يده فيترك الكمان متقدماً ليقود، يقاطعة من مقام آخر، ويؤشر للرق إشارة خفيفة فيباغت الاثنان. يأتي المزيج كوكتيل خفيف المذاق والثقل نافذ الضوء والراحة. ولماذا الجدية، دع نفسك تلقائيا، الطاقة التي يمتلكها ساقي الأرواح قادرة على ضبط الإيقاع، وعلى إغراق الحضور مهما كونوا من فيضها، حتى لو غاب عنهم معانى الكلمات.

“سَكِرتُ وتُهتُ عنْ حَسي ونَفْسي

و مِلتُ برَشفِ راحَيَّ عن زَمَانِي

تُنادي كُلُ جَارحَةٍ وعُضوٍ

وأزهارٌ و أنْوارُ الجِنانِ

وأفْلاكُ تَدورُ على إنتِظامٍ

وأنْهارٌ بها حُلو الغَوانِي

جَمالٌ لا يُشابِهه جَمالْ”

لنفترض غياب المعنى، انظر مع وبين الكلام ما تسمع، همهمة، أنين، تأوهات، تأودات، تمطق، قهقهة، بحيح، لعلعة، نزيب، هديل، شقشقة، زفير. اسمع الضحكة الفاجرة في دلعها قبل كلمة الغوانى. من مثل هذه التفاصيل، من صوت “سبحته” على الكأس يأتي المزيج. هذا المدام للأحبة.

ليست الأصوات ولا الارتجالات المفاجئة في رعونتها، ليست أيضاً الرسوخ الكلاسيكى لفرضيات المقام العربي، ولا الانفتاح على عوالم موسيقية آخرى. بل اختيارات الساقي لكل كلمة وبيت وقصيدة. من الحلاج لابن الفارض، إلي المزج والارتجال الحر للكلمات. تحكى الأسطورة أن التونى كان يحيي حفلات لأكثر من ثلاث وأربع ساعات، ينتقل بعدها لمكان آخر ليحيا ليلة آخرى تمتد لساعات. وفي كل الحالتين لا يكرر بيتاً واحداً. لا ينضب معين الساقي.

في المرة الأولى التي شاهدت فيها السلطان، قدرت عمره بالتسعين. وكان وقتها في منتصف السبعينات. شاهدت على مدار السنوات نشاطه حماسة وكيف تفيض وتشيع طاقته أينما حضر أو انشد. ودون أي انتباه لاعتبارات البيولوجيا أو الجسد لم تخطر ببالى فكرة أن يموت التونى. عرفته من باب آخر، أتانى من طريق مفتوح وواصل. غلقت أبواب الجسد ربما، لكن الطريق موصول.

 

البحث عن شبح آية

نشرت في 2015

 ملك يحلم أن يكون فراشة، وفراشة تحلم أن تكون ملك. يتكرر الأمر هكذا في تبادل لا نهائي بلا فرار من الحلمين. يخلق هذا التكرار إيقاع موسيقي “لوب” مستقر، يشيد ببطء عالماً باطنياً من حلمين في منتهى البساطة.

tumblr_l0zk0miwlO1qaujolo1_1280

حينما يلتقي شخصان في مناسبة اجتماعية للمرة الأولي عادة تكون مواضيع الحديث لها علاقة بالطقس، من تعرف في المكان، ماذا تفعل، ماذا تشرب. المرة الأولي التي قابلت فيها آية كان موضوع الحديث كونديرا وماجريت وأفضل مكان في القاهرة لشراء قميص زهري اللون. كان هذا في وسط سأم القاهرة 2008. وكانت آية تدرس الأدب الإنجليزي في الجامعة، أخبرتنى أنها تغني قليلاً مع أصدقاء لها ثم اختفت.

سأسمع عن آية بعد ذلك تغني توزيعات مضطربة كأنها تدريبات دراسية لعدد من الأغاني معظمها لتوم وايتس. ستختفي آية، تُحرق مباني وأقسام شرطة وتسقط هيبة دولة،يحيي العسكر الشعب، ثم يحيي العسكر الإخوان، ثم يحيا الشعب العسكر. يخبو ويشتعل صراع ودورة تاريخ تعبر. وآية وسط ذلك في غرفة تمسك الجيتار وأمام كاميرا وصوت الكمبيوتر تغنى عن نجوم وشجر وزمن ساكن وصحوة بلا صباح.

ستتحرك آية في معظم الحفلات بذات الجيتار تغني في حفلات بأماكن تختارها بعناية. صوت وطبيعة تجربة آية في تلك الفترة كان يتناسب في أفضل حالاته مع أماكن كقاعة “استديو مائة نسخة” بوسط البلد أو “مكان” والاثنان لا يتسع الفضاء فيهما لأكثر من مائة شخص. في مكان حينما كانت تغني آية فهي تجلس في منتصف الغرفة لا يفصلها عن الجمهور مسافة ذراع. وفقط صوتها والجيتار. ليصعد لوب الأحلام بتوالي الأغاني والمقطوعات. تستعير آية معانى متناقضة وقاموسها لا يخلو من الفصحي ودائما هناك كائنات آخري تتحرك معنا في هذا العالم أشباح لشخصيات غائبة وأشخاص تتحاور برسائل مبتورة كأن هناك شيء موجع وساخر غائب تحت هذا اللوب الموسيقي الرتيب المميز لألحان آية، والذي يتحول في الأداء الحي بأماكن ليست ذات طبيعة مسرحية إلي سحابة كأن آية تدخلنا إلي عالمها الذي بنته لوحدها وبفرديتها المميزة.

18320687_1427149007344408_5512314696964294402_o

لا يمكن أن تصحب صوت آية معك بعد الحفلة، ولن تجده بسهولة في تسجيلات علي الانترنت. ولا تهتم كثيراً بتوثيق أعمالها، بل وكثيرا ما تحذف من أرشيفها. دوائر جمهورها الصغيرة والتي تعلق دائماً كيف “أنها دماغ لوحدها” تتداول أحياناً تسجيلات لها ترفعها من حفلاتها تعانى من رداءة الصوت.

 

ستخرج آية من قلعتها في حالات قليلة في البداية لكن على ما يبدو يتغير هذا حالياً. واحدة من المرات ستكون حفلة “كومبو” والتي أقيمت  في مسرح روابط عام 2012، بالمشاركة مع يسرا الهواري ومى وليد وإطلالة خاصة لبيري معتز على “الباص جيتار”. وقتها كان الحفل بمثابة إعلان مدوى عن وجود موسيقي جديدة وفتيات يلعبن ويجربن بآلات موسيقية فردية دون فرق أو أوركسترا تقديم حكايات وحالات موضوعه الأساسي هو الذات وخيبات العلاقات وطرق المقاومة المختلفة لإيجاد طرق ومسارات للحياة في مدينة قاحلة كالقاهرة.

بنات جيل آية من الموسيقيات والمغنيات، سعين إلي تطوير أنفسهم بسرعة، وصنعناً شعبية معقولة تنمو ببطء لكن بثبات. توسعن للعمل مع موسيقيين من بلدان وتيارات مختلفة أنشأن فرق فنية وأخذن قرار بإكمال التجربة إلي النهاية كمغنيات. لكن آية بعد كل حفلة كانت تضع الجيتار في حقيبتها وتجري قبل أن تقترب الساعة من الحادية عشر.

-رايحة فين يا آية؟

بصوت خافت مختلف عن صوتها أثناء الغناء ستكون الإجابة غالباً “بكرة مدرسة لازم أروح”. في الصباح تستيقظ آية في السادسة صباحاً لتذهب للعمل كمدرسة للأطفال، وفي فترة آخري بينما كان زميلاتها يسافرن حول العالم لإحياء الحفلات واستكشاف العالم والموسيقي الآخري، كانت آية تترك الموسيقي وتذهب لتتعلم لسنوات في مدرسة الرقص المعاصرة التي أسستها كريمة منصور.

17879852_1762120020764999_9087253803811318045_o

 تتوالي صور الأشباح عند البحث عن آية، من  العازفة والمغنية، لأية المدرسة، لآية الراقصة، لآية الشجرة، ثم آية على الفيسبوك والشبكات الاجتماعية التي تصرخ في جمهورها “أنا مش مغنية ومش بغني”. ولنفي أي محاولة للتصنيف تشاركنا من داخل قلعتها بفيديوهات تقوم فيها بأشياء بسيطة ككيفية غسل الأسنان بالفرشاة.

في البدايات حينما كنت أحضر لآية تغني لتوم وايتس أو لسيد درويش في حالات نادرة، ورغم أي ملاحظات أو هنات لكن كان من الواضح مساحة الصوت وقوتها الغريبة التي تختزنها آية، وفي التسجيلات والأعمال الأولي كان هناك مشكلة في السيطرة على هذه القوة والمساحات العريضة لكنها دربت هذا الصوت، مع الجيتار تحولت هذه القوة إلي جزء من “اللوب” الدائري لايقاع الحلمين وربما الأحلام المتعددة لشبح آية.

تتهرب آية من التصنيف ومن حصار المغنية أو الفنانة، لا تسعي للجمهور وخجولة في التجارب التي تختارها، تجلس داخل قلعتها وتفتحها لمن ترغب وتسمح له بالدخول. مؤخراً فقط بدأت في الانسجام أكثر فأكثر مع حالة آية المغنية. في سيناء في شهر سبتمبر الماضي مع فريق “كلاب المطر/ RainDogs” وعلى شاطئ المعجنة بينما الكلاب تلعب كانت آية طوال الحفلة تكرر آهاتها وجمل وكلمات وقصيرة كأنما الصوت تحول لآلة موسيقية تحمل نجوم سماء سيناء.

هذا الشتاء تخرج آية كثيراً لتحيي حفلات في مسارح وأماكن متعددة والجيتار الذي كانت تحمله أصبح يصحبه الآن مولف موسيقي إلكيترونية، حيث تستخدم النبضات والدفقات في أغانيها الجديدة. ليندمج الصوت مع الضوضاء كأنها تتحول لشبح يلوح لنا من عالم آخر.

21125447_1660396340699948_8014519751768400224_o.jpg