مستعمرة العذاب

في أحياء هامشية وشوارع فرعية تقود إلى مقرات حكومية صغيرة وفرعية كمكاتب الشهر العقاري أو مكتب العمل أو الصحة، بدأ الأمر دون أن يلحظه أحد. من أصلا يسير في هذا البلد وهو ينظر لأعلى ليلاحظ الأمر. بل على الأرجح كانت الرائحة هي ما جعل الناس يتلفتون بحثا عن مصدرها.

hunter_web8
Tom Hunter فوتوغرافيا

يستيقظ سكان الشارع الهامشي ليجدوا قطة مذبوحة ومعلقة على عمود الإضاءة في الشارع. في بعض المناطق حدثت مشادات وخناقات بين الأفراد والعائلات بسبب الربط بين القطط المذبوحة المعلقة كالذبائح والأعمال السحرية. وفي المناطق ذات التركيبة الطائفية تحول الأمر إلى صراعات طائفية على طريقة من ذبح القطة لمن؟

بعد أيام قليلة تزايد الأمر، ذات صباح على طول كوبري أكتوبر تراصت القطط المذبوحة معلقة على أعمدة الإضاءة، وتقريبا في كل الأحياء والمناطق الراقية، قدر البعض عددها بأكثر من خمسة آلاف قطة مذبوحة.

قال محلل سياسي إنها رسالة سياسية واضحة، وفسر كاتب من المدافعين عن الدولة الأمر بمحاولة للنيل من هيبة الدولة، تحدثت ريهام سعيد عن أعمال سفلية لمصر. لكن الأزمة أنه بينما بدأت أجهزة النظافة والمحافظة في إنزال القطط من على العمدان، فخطة عملها لم تغط كل أجزاء المدينة ناهيك عن الجمهورية، بالتالي لم تعد المشكلة معرفة من يقوم بقتل القطط وما الغرض من تعليقها، بل لماذا لا تقوم الحكومة بإزالة هذه الجثث، وتتركها لتتعفن في الهواء الطلق لتنشر سحابة من النتانة والعفن على البلاد- خرج مسؤول من المحافظة وأطلق تصريحا بأن المحافظة والحكومة ليستا مسئولتين والقطط هي التي تنتحر، باسم يوسف تناول تصريح المحافظ وصنع منه سلسلة من الأفيهات الظريفة، فتحولت قضية القطط المشنوقة إلى قضية رأي عام، انشغل بها الناس لفترة، وأخذوا يصورون جثث القطط وأشكالا متخلفة لنتانة أجسادها المبقورة المعلقة على أعمدة الإضاءة.

مصر هي الشباب السمر. وعلى رأي عمرو دياب « انحيازي عمره ما كان انتهازي». فخرج شاب بيحب مصر، كالنمل من الجميعات الخيرية ومراكز دورات التنمية البشرية وقادوا مبادرة تحت شعار «إكرام القط دفنه»، لكن المشكلة أين يمكن أن ندفن القطط؟

ظهرت تقارير تصور الشباب الإيجابي وهو يدهن الرصيف وينزل القطط من على الأعمدة، لكنهم كانوا لا يجدون مكانا لدفن القطط فيتركونها في الشارع، فيخرج أصحاب المحال ليجروا وراءهم ويمنعوهم من إلقاء جثث القطط أمام محالهم.

لارتباط الأمر بالأعمال السفلية رفض الجميع دفن القطط في أراضيهم، ولم تنجح مبادرة «شباب بيحب مصر» في القضاء على نتانة الجو الناتجة عن تعفن جثث القطط المعلقة على أعمدة الإضاءة.

بعد شهر كان الموضوع إعلاميا قد تم هضمه من كل النواحي، ولم تعد أخبار ظهور قطط مذبوحة أو مشنوقة معلقة على الأعمدة تثير الاهتمام. أما رائحة النتانة في الجو فاستقبلها المصريون كقدر على حياتهم واختبار لصبرهم واحتسابهم مثل السحابة السوداء، والتلوث الضوضائي، والزحام، وأحمد موسى.

مضى نهر الحياة في مصر ولكن بمزيد من النتانة فقط. ثم بعد شهرين آخرين، بدأت القطط المصرية التي عاشت في هذا الوادى لآلاف السنين في الاعتراض على المذبحة التي تتعرض لها، خصوصا كل المتهمين بعملية قتل وشنق القطط. كان يتم الإفراج عنهم وتمنحهم المحكمة حكم البراءة، لم يحاكم أي قاتل لأي قطة. فقررت القطط الانفجار.

عاشت القطط في مصر تتمشى داخل المستشفيات، وتستلقي في استرخاء في باحة مجلس الشورى، وتلهو في حمامات مجلس الوزراء، سواء مؤسسات خاصة أو حكومية أو مباني المحاكم، تعيش القطط في ألفة داخل أو بجوار أي مبنى في مصر، تخيل فقط حينما تتحول تلك القطط إلى قنابل. قفزت قطة في وجه رئيس الوزراء وانفجرت أحشاؤها وهى متشبثة بوجهه فانفجر وجه السيد الوزير ومات شهيد العمل، مشت رموز الدولة في جنازة عسكرية له. صرح خبير أمنى بأن ما يحدث هو ثورة القطط. وقالت شابة جامعية: يجب أن نصغو لمطالب القطط وتقديم القتلة لمحاكمات عادلة.

لمحاربة ثورة القطط التي لا نعرف من يقتلها، قرروا تنصيب الكلاب في السلطة لتخيف القطط، وبدأت المطاردات بين الكائنين آناء الليل وأطراف النهار، لكن على الكباري ظلت

متكدسة والقطط مبقورة البطون مشنوقة على الأعمدة، ورائحة النتانة تغرق المدينة. عذاب لا نعلم سبب إنزاله بنا.

حديث غير مُجد عن عقوبة الإعدام

ما إن يتم الحديث عن ضرورة النظر في حق الدولة بالإعدام والمطالبة بإلغائه، حتى يشهر رد “ولكم في القصاص حياة”. ودون كل حدود الله ينفعل المدافعون عن إجرام الدولة في قتل المواطنين وسلب أرواحهم أمام حكم الإعدام، ويتجلى الإيمان والخشوع في صوتهم عند الحديث عن الحكمة الإلهية التي يفترضونها أن الله منح الدولة حق إعدام المواطنين.

عبدالهادي الجزار

في القرن التاسع عشر، ولتأسيس الدولة المصرية الحديثة جرت تغييرات جذرية في طريقة حكم مصر وتأسيس الهوية المصرية. حيث لم يعد المصريون رعايا ولا الحاكم خديوا أو رئيس جمهورية مسئولا عن رعيته أو هكذا جرى تصور الأمر. ففي الدولة الحديثة تظهر المؤسسات ويتم تقسيم السلطات وإدارة اختصاصاتها بشكل قانونى يفترض التجريد والحيادية في خطابه، ويطرح نفسه بصفته ممثلاً لشيء خفي يدعى التطور أو التقدم أو أخطر ملاك ليس بوسع الجميع رؤيته يدعى حكمة العدالة.

لا تنظر الدولة الحديثة إلى المواطن كغنمة شاردة تستحق الرعاية بل كممول لضرائبها وجزء أساسي من بنيانها وسبب وجودها. المواطن الصالح ذو الجسد السليم والعقل السليم هو ترس إضافي في ماكينة الدولة. هكذا صار الأمر، لذلك فإذا أخطأ المواطن لا يكون البديل هو عقابه أو القصاص، فالغرض من السجن ليس العقاب بل الإصلاح وإعادة تهيئة المواطن بحيث يمكن دمجه مرة أخرى في بنية المجتمع ليعود الترس إلى مكانه.

لكن على رأيأستاذ مدحت يحدث هذا في حمامات الدول الأوروبية المتقدمة. أما في مصر فقد صار التطور في شكل هجين، لتكون النتيجة وحشا متنكرا في ثياب البراءة والعدالة يطلق عليه الدولة المصرية.

وضعت الدولة المصرية على سجونها شعار “السجن إصلاح وتهذيب”، وصدعت النخبة القانونية والتشريعية رأسنا طوال أكثر من قرن بالحديث عن الدولة الحديثة القائمة على إعادة مناقشة القوانين المصرية وإعادة تهيئتها بما يتناسب مع العصر الحديث. لكن كل هذا الخطاب يتوقف أمام عقوبة الإعدام ويظهر بدلا منه خطاب “نخاف ألا نقيم حدود الله في الإعدام وقتل الناس”.

لا علاقة بين حد الإعدام في التشريع الإسلامي وأحكام الإعدام التي تصدرها الدولة المصرية الآن، فأولاً يجعل الفقه والتشريع الإسلامي تنفيذ حدود الإعدام محصوراً بحالات محددة ليس من ضمنها على سبيل المثال قلب نظام الحكم، أو الاتجار بالمخدرات، أو حتى الاغتصاب وإن كان يقرها في الزنى. كما تجعل الشريعة تنفيذ عقوبة الإعدام في حالة القتل العمد معلقة بعفو الأهل فإذا عفا أهل القتيل عن القاتل أو وافقوا على الدية سقط حد الإعدام، بل اعتبر القرآن الكريم الصفح والعفو هو الأصل. لكن لا مجال لحق العفو وأهل القتيل حينما تصدر الدولة الآن حكمها بالإعدام على مواطن. أين إذا العلاقة بين عقوبة الإعدام في القانون المصري وحد الإعدام في الشريعة الإسلامية؟

الدولة المصرية تدعى مطابقة أحكامها بالإعدام لصحيح الدين والإسلام؛ ولذا يجب أن تأخذ بركة المفتى عليها، المفتى الذي يصدق على أحكام الإعدام لكنه لا يمتلك سلطة رفضها، ولا يمتلك السلطة على التحقق حتى من مدى مطابقة حكم الإعدام لقوانين الشريعة التي يفتى على أساسها.

الإهانة الأساسية للشريعة الإسلامية ولحد الإعدام كما نادى الفقه الإسلامي بتطبيقه ترتكبها الدولة المصرية تحديداً مؤسسة القضاء ومؤسسة الإفتاء. ولا علاقة بين عقوبة الإعدام المنصوص عليها في القوانين المصرية والتي على أساسها يتم إصدار تلك الأحكام الخرافية وبين الشريعة الإسلامية وحد القتل كوسيلة للقصاص.

لذا فمن يغارون على الشريعة والإسلام الحنيف يجب أولا أن يكونوا في الصفوف الأمامية في معركة انتزاع حق الإعدام من الدولة المصرية بكامل مؤسساتها. ربما تمنح الدولة الحق في السكن، وتنظم الحق في التعبير وبقية الحقوق المدنية، لكن الدولة لا تمنح الحياة، فبأى حق أصلا تحتكر الدولة حق الإعدام؟!

يحدثنا ميشيل فوكو في كتابه “المراقبة والعقاب” كيف أن حق الإعدام في عهد أوروبا القرون الوسطى، لم يكن يطبق على القاتل فقط لأنه قتل، بل لأنه انتزع حقا من حقوق الملك وهو حق الحياة. لذا فحتى إذا عفا عنه أهل القتيل، فالعفو النهائي منوط فقط بأمر الملك. في أوروبا ذات التركيبة الاقتصادية الإقطاعية يملك الملك الأرض وما عليها، وبالتالي فحياة الأفراد ملكه، وتعدى أحدهم على الأفراد التابعين له هو انتزاع لهذا الحق الملكى، وبالتالى يكون الرد بعقابه وإعدامه.

يقول شيخ الأزهر ومعظم شيوخ الوسطية بأن الإسلام جاء ليحرر الإنسان من الطاغوت. ومع نهاية القرن التاسع عشر بدأت من أوروبا حركة واسعة لمحاربة تقنين العباد والاتجار بالبشر، والذي أصبح الآن جريمة تعاقب عليها القانون. ذات القانون يمنح الحق لإنسان آخر لمجرد أنه يحمل في خانة الوظيفة لقب قاض أن يصدر أحكاما بالإعدام بحق المئات دون حتى أن يستوفي الإجراءات المنصوص عليها في هذا القانون. البنية القانونية والفلسفية التشريعية للدولة المصرية لا تقوم أبداً على الاعتراف باستقلال حياة الأفراد عن سلطاتها ولا تمنحهم أي وسيلة لمقاومة طغيان هذه السلطات سوى أن يكونوا منبوذين وفي حالة حرب معلنة ضدها. في دول تطبق عقوبة الإعدام كالولايات المتحدة الأمريكية تعترف القوانين والدستور بحق الأفراد في حمل السلاح، وتقننه كحق لضبط النظام العام وأداة حتى في يد المواطن للدفاع عن حقوقه. بينما في مكان كما مصر ستصر قوانين الدولة على تجريم حمل السلاح والتجارة فيه إلا بموافقتها في حين أنه أداة طبيعية موجودة في بيوت العائلات والأسر المصرية في أماكن كثيرة من سيناء إلى الصعيد والآن حتى في مناطق من شارع فيصل إلى مدينة نصر.

لصالح من تعمل فلسفة القوانين المصرية؟

الأكيد أنها تعمل بعيداً عن التكييف مع احتياجات المواطنين وواقعهم. والأكيد أن المسألة أكبر من الحديث عن إصلاح أو تطهير لقضاة ذوى توجهات وأحياناً أدوار سياسية واضحة. فالنخبة القضائية المصرية إجمالاً هي حكم وجزء أساسي من كتلة النظام وأداة من أدوات قراراته، وأمر كتبه الله علينا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.

حراشف تماسيح القامات الفكرية

كلفت بتغطية مؤتمر لأدب الطفل في زمن ما قبل 2011 . كعادة كل أنشطة الطفولة والأمومة في هذا الزمن كان المؤتمر تحت رعاية السيدة الفاضلة سوزان مبارك، ومن تنظيم واحدة من الجمعيات والهيئات العديدة التي كانت ترأسها. كان العمل من أثقل المهام على قلبي، حيث إن هذه المؤتمرات تكون سلسلة طويلة من الخطب والكلمات الإنشائية والجمل المكررة المليئة بالإطناب.

16540_226645746384_610856384_3008420_3055340_n

حضر الأمن الرئيسي أولاً، ثم حضرت زوجة الرئيس وألقت كلمة مكتوبة وزعت في الوقت ذاته على الصحفيين، وكان من اللافت أن القاعة تمتلئ بكل الكتاب والمثقفين ممن يحملون لقب “قامة فكرية” ومعظمهم ليس له أي علاقة بأدب الطفل، استغربت وجودهم في البداية لكن بعدما أنهت زوجة الرئيس كلمتها التي كانت تشبه موضوع تعبير مدرسي. خرجت لتقف في مدخل القاعة لما يقرب العشرين دقيقة، حيث فهمت حينها سبب وجود كل هذه القامات الفكرية.

كان المشهد كالتالي زوجة الرئيس تقف على رأس الدائرة وحولها سيدات المجتمع في حلقة ضيقة أولي وعن يسارها تقف زوجة وزير الإعلام وقتها أنس الفقي، تهمس في أذنها ببضع كلمات ثم تشير لكاتب من «القامات الفكرية» فيتقدم الأخير ليصافح زوجة وزير الإعلام وزوجة الرئيس ويتبادل معها بضع كلمات مليئة بكلمات الثناء على دورها وما تقدمه للطفل والأدب والتنوير والثقافة والمثقفين. بعد أقل من نصف ساعة انصرفت زوجة الرئيس، الكتاب الذين فازوا بالمصافحة ارتفعت قامتهم بضع سنتيمترات وابتسامة تعلو وجههم بينما الكتاب الذين لم يفوزوا بالشرف العظيم انزوي وقد قصرت قامتهم يشعرون بالنبذ والحزن من عدم نيل شرف الحديث مع السيدة الفاضلة. ثم انصرفوا جميعًا بعدها ببضع دقائق لتستمر بقية جلسات المؤتمر خالية من الحضور ومن الضيوف.

الصورة السطحية كشاب صحفي يتعرف على هذا العالم للمرة الأولي كانت بالنسبة لى أن ما يحدث هو نوع من «التعريض» المرتبط بالظرف السياسي وبالهرمية الحاكمة التي أسستها أسرة مبارك أثناء حكمها للبلاد. لكن في رواية بدر الديب البديعة «إجازة تفرغ» والتي تدور أحداثها قبل عهد أسرة مبارك كان هناك مشهد مماثل قدم له بدر الديب رؤية آخري قائلاً: «منذ أن أممت الثورة الثقافة وصنعت المجلس الأعلى وأجهزة الوزارة في الثقافة والإعلام، وهذه الأصناف من الناس تتكاثر وتقوي حراشيف التماسيح على ظهورهم. إنهم يتحركون في مستنقع آسن مخضوضر فيه ظلال ودسامة الركود، لا يجهد كل منهم إلا لكى يتخذ ركنًا أو مكانًا يمارس فيه شيئًا من السلطة ويستطيع فيه أن يرفع صوته. إنهم يتحدثون عن الثقافة وعن الفكر ويقرنونها بالوحدة العربية تارة والاشتراكية العلمية مرة أخري وبالثقافة الجماهيرية مرة ثالثة، وبمستقبل العالم والإمبريالية ودول العالم الثالث والثورة المضادة».

لم يعد في كل هذا من الجهد أو المعني إلا أن يكون لكل منهم حق في شيء منه وليس هذا الشيء تحقيقًا أو إنجازًا أو استكشافًا أو فكرة ولكنه أساسًا كتاب صغير في سلسلة أو كتابين، مقالة هناك أو مقالة في صدر جريدة ولكن المهم القدرة على حضور المؤتمرات وتنظيمها وإلقاء الخطب فيها وتصوير الانتصارات التي تتحقق في صياغة التوصيات والحصول على الموافقة بإقرارها. لا أحد منهم يذكر أن كل ما يفعله هو للسلطة وأنه لم يكن ليقدر عليها لولا سماحها ورغبتها. (…) إنهم يسعون لمنصب جديد أعلي أو لسلطة أكبر لأن هذا هو المشاركة في الفعل والتغيير وهما المحك الحقيقي للثقافة والفكر.

بدر الديب مع أعمال شريف يونس أفهمتنى أن المسألة ليست رغبة في التعريض فقط، بل لأن النظام وهو هنا شبكة القوانين والعلاقات التي أنشأتها الدولة الجمهورية خلقت معاني جديدة للثقافة ولدور المفكر تجعله مرهونًا بالاعتراف من قبل الدولة، وبجعله مستشارًا لها. وهذا القانون يترسخ داخل الكتاب والمثقفين أنفسهم أكثر من كونه مكتوبًا في لوائح وزارة الثقافة أو طريقة إدارتها.

هذا القانون يربط التنوير بالعمل مع الدولة، ويجعل من دور الكاتب والمثقف أن يمشى بجوار السياسي ممسكًا بالصاجات والطبلة يغنى تسلم الأيادي ويقول عن هذا فن. وتحقق ذات الكاتب يكون بمدى اقترابه من تلك السلطة، وصراعاته ضد الفساد تكون صراعات ضد أشخاص يجلسون على الكرسي وليست بهدف إزاحة الكرسي. ويتجسد هذا القانون في أعلى حالاته في شخص يوسف زيدان. الكاتب الذي لم تؤهله علاقاته الدولية وضعفه في اللغات الأجنبية لكى يكون واجهة مشرفة للثقافة كإسماعيل سراج الدين. متقمصاً حالة الكاتب الرسول وجدت نزعات زيدان التنويرية مكانها على الفيسبوك يعيد إنتاج معلومات عامة ونصوص قديمة متاحة على الإنترنت معتبراً أن ما يقوم به هو رسالته التنويرية ككاتب. وحينما تنبذه السلطة هازئة منه ومن لغته المصطنعة يواجه الحقيقة أنه لا شيء بدون هذه السلطة فيقرر الانسحاب من الحياة الثقافية كما أعلن مؤخراً في محاولة أخيرة لجذب الانتباه إلي حالته ووضعه الحزين.

يتصارع تماسيح الثقافة على منصب في تفاهة مستشار رئيس الوزراء للشئون الثقافية، ويلعبون لعبة البطل والفاسد بالتناوب لخلق دراما مسلية للأعلام. بينما شاعر وكاتب آخر كعمرو حازق خرج في عشرات المظاهرات والوقفات الاحتجاجية ضد فساد إسماعيل سراج الدين وكانت نتيجة كل ما فعله أنه محبوس الآن في سجون النظام بتهمة خرق قانون التظاهر غير الدستوري، لكن مع ذلك قادرين على الضحك والعمل ليصدر روايته «روائي المدينة الأول» من داخل محبسه بينما التماسيح لا تزال تتصارع أيهم يقترب أكثر من كرسي محلب.

كان نائماً حينما قامت الثورة.. يا بختك يا عمدة

هناك طائفة سرية بدأت بالتشكل بدون وعي كامل بعواقب أفعالهم منذ منتصف التسعينيات. هذه الطائفة السرية تزايدت شعبيتها وعضويتها ومحبوها في العقد الأخير بفضل الإنترنت وبفضل اتساع دائرة من أتيح لهم معرفة جوهر الرابطة الخفي. تتبع هذه الرابطة آثار شاعر ومهندس فاشل للعالم يدعى عماد أبوصالح.

c03c6a495726988fb40c9c00bc568631

منذ منتصف التسعينيات وعماد أبوصالح يتحرك كما نسمة هواء لا يمكن رؤيتها بين الحديقة والمزبلة بحثاً عن الشعر. وخلال العشرين عاماً الماضية. أصبح عماد أشهر شاعر سري. يكتب الشعر بهدوء وملل وهو يقطع البصل بحب كما يخبرنا في ديوانه الأخير. يجمع قصائده في دواوين، ويرفض أن تطبع هذه الدواوين في دور نشر خاصة أو حكومية، بل يطبعها في نسخ معدودة على نفقته الخاصة، ويختار المحظوظين من جماعته السرية ليوزع عليهم دواوينه.

لا يظهر عماد في التلفزيون ليبتز الجماهير بقصائد تتوهم الفخر والانتصارات الجماعية لترويها. ولا أذكر أنى رأيته أو سمعت أنه ألقى شعره في أي مكان عام أو مناسبة مفتوحة. وفي ديوانه الأخير الذي صدر مؤخراً يخبرنا أنه «كان نائماً حينما قامت الثورة«.

وجدت قصائد عماد طريقها للإنترنت، فالمفارقة التي تشكل جزءا من بناء القصيدة لديه، يسهل تقطيعها وتصنيع جمل جذابة عند نشرها على الإنترنت. المفارقة هي الأخت الصغرى للإفيه. والاثنان من عوامل الجذب الأساسية على الإنترنت. ظهر جيل كامل من الشباب لا يعرفون عماد ولم يسبق لهم أن أمسكوا بكتاب من دواوينه ذات الأغلفة البيضاء. لكنهم يعرفون قصائده وينشرونها على الإنترنت. بل أحياناً يختارون صورا بالأبيض والأسود أو أخرى من صور الكيتش المختلفة ويضعون معها مختارات من أعماله.

عماد الخائف من الأضواء والذي سعى طوال عمره للابتعاد عن ماكينة الاستهلاك ودائرته، أصبح اليوم كاهناً لكنيسة سرية على الإنترنت. يكفي أن تكتب اسمه في جوجل لتظهر لك أبوابها وأعمدتها السبعة المتابينة.

** *

بعد الطلاق أو الانفصال لا تتكسر الآمال العريضة فقط. بل يترك الإنسان في العراء بلا أي أمل. يفقد البعض الإيمان بالعالم، وأحياناً الإيمان بأنفسهم وقدرتهم على النهوض من جديد. يقول سائق «التوك التوك» في استيتوس مؤثر على ظهر مركبته (الحب مات بسبب البنات).

الجموع التي اندفعت بالعواطف الحارقة والجياشة طوال السنوات الماضية، خبطت في جدار من الإحباط، ولم تستخدم مرهم لتقليل حرقان العواطف وهى تصرخ بالثأر وتمجيد الشهداء. أصبحت مثل الزوجة المخدوعة أو الزوج المتهور الذي رمى يمين الطلاق وجلس يعض أصابع الندم. وفي أوقات الندم يختفي أيضاً شعراء الابتزاز العاطفي، هؤلاء اللصوص الذين ينتحلون لقب الشعراء ويتغذون على القصائد القبيحة التي تداعب عواطف الجماهير. لا يهم المعنى، بل يهم الجماهير. يمكن للشاعر اللص أن يكتب اليوم قصيدة عن الميدان، وغداً عن ضحكة المساجين، وبعده مطالباً بحرق كل ما سبق ما دامت هذه رغبة الجماهير. وحينما تفقد إيمانك بالجماهير وتستيقظ من خدعة المثالية وأننا كلنا واحد، هنا تبرز أهمية شاعر كعماد أبوصالح.

في ديوانه الأخير وتحت عنوان «ذم الثورة» حينما يتحدث عماد عن البطل يقول:

يا إلهي

كم هو رائع

هذا الشاب هناك!

يتقدم الصفوف

ويفتح صدره للرصاص

يعالج الجرحى

ويتنازل عن طعامه القليل للجوعى

كأنه نبي

أنا معجب به

إلى كل طفل

يحلم أن يكون بطلاً،

تعلم منه

لتثور ضده

بنفس طريقته.

حين يصبح

ديكتاتور المستقبل.

فقط الشاعر الفاشل في هندسة العالم، هو من لا تخدعه هتافات أبطال البانجو وتجار الثورات، بل لا يستسلم لديكتاتورية الجماهير التي تطلب منه أن يكون مهرجاً يسليها كهويس الشعر، أو يداعب صورتها الشوفونية عن ذاتها كهؤلاء الذين يتغنون في عظمة مصر وشعبها. الحرية لا يمكن أن تكون في يد الجماهير الثائرة لأنها كما يقول عماد: «لكن الحرية عصفور/ يرتعب/ ويطير عالياً/ لئلا تمسك به/ كل هذه الأيدي/ لئلا تلتهمه/ كل هذه الأفواه الجائعة».

user9142_pic4033_1226538635
عماد أبو صالح في صورة شبه رسمية

يُرمى الشعراء بالمثالية والسفه العقلي الذي يجعلهم مروجين للشعارات المثالية التي لا تقبل التنازل. صرخة أمل دنقل لا تزال حتى الآن مرفوعة بل قد نرى ظلها في الجرافيتى على الحائط «لا تصالح.. أبي لا مزيد/ أريد أبي عند بوابة القصر». الآن وقد تبددت سحب العواطف الثورية والتشنجات والمزايدات الوطنية والتي يتضح مدى الأخطاء الفادحة التي دفعتنا هذه العاطفة لارتكابها. يأتي شاعر كعماد أبوصالح لا ليزرع الأمل أو ليعطينى حق الأحلام والشعارات المثالية. بل ليهندس خرائبنا ويذكرنا بضرورة أن نحلم لأنفسنا أولا لا لحكام يرتدون النظارات الشمسية حتى داخل الأماكن المغلقة لكى لا يبصروا سوى صورتهم فقط. ماذا عن أحلام عماد نفسه؟ يختم ديوانه بحلم واحد حينما يقول:

«لا أحلم بأن يشرب الذئب مع الخروف من وعاء واحد. هذا حلم كبير. لا أحلم بأن يتوقف الناس عن متعة القتل. إن هذا مستحيل. كان حلمي أن يظل القاتل قاتلاً والقتيل قتيلاً؛ دون أن يختلط علىّ اليد التي غرزت السكين والقلب الذي تلقى الطعنات. هابيل حبيبي. أفرح به حين يرفض مد يده، ليبادل ابن أمه طعنة بطعنة. قابيل حبيبي. أفرح به وهو يبكة من الألم حين رأى جثة أخيه عارية، محرومة الروح في العراء.

أحلم بالحياة، حلبة مصارعة، بالعدل، بين الخطأ والندم، لا منتصر فيها ولا مهزوم».

فساد وظلم القضاء.. الألمانى

طال يد العدالة الجميع إلا رأسها. يقولون دائماً لا بد من يوم معلوم تترد فيه المظالم، أسود على كل ظالم أبيض لكل مظلوم. ما عدا نوعا واحدا من الظلمة ليس لديهم أيام سوداء أبداً. هم القضاة الظلمة. فالفئة التي تحدد ما هو ظلم وما هو عدالة، لا يمكنها أن تري نفسها ظالمة خصوصاً وهى تمسك بيديها ميزان العدالة، هكذا هي الأمور في ألمانيا القديمة على الأقل.

“في الدولة الحديثة يأتي القضاء كصوت يتخيل ذاته فوق الجميع وخارج منظومة المجتمع. ملاك محايد معصوب العينين. أحكامه الغرض منها بناء منظومة المعادلات والقوانين التي تسير الدولة. بينما يحاسب جميع من يخطئ في عمله في هذه الدولة من المهندسين للأطباء وحتى العسكريين، فالقضاة هم الفئة الوحيدة التي لا يمكن محاسبتها حتى في حالة خطأ، حتي في أعتى الدول الديمقراطية حيث الشعب هو مصدر السلطات، لا يمكن للشعب أو سلطته البرلمانية محاكمة القضاء” يقول فريدريش كريستيان دليوس الجملة الأخيرة بينما نحتسي البيرة، ونحاول الحصول على بعض الدفء من شمس برلين.

140828132531-02-world-war-ii-0828-horizontal-large-gallery

أشرت لرجل أسمر لا يمكن أن تخطئ العين جمجته المصرية الجميلة، خصوصاً وهو يضع على جاكيت البدلة دبوسا بعلم مصر وصورة الرئيس عبدالفتاح السيسي، أقول لدليوس: “انظر مثلاً لهذا الرجل، عليه حكم بعامين، لكنه يسافر ويركب الطائرات مع من هم منوط بهم تنفيذ القانون ويسير سعيداً مثلاً، دون أي احترام لأحكام القضاء، كم أتمنى لو أصبح جميع البشر مثله، يأخذون هذه الأشياء حول العدالة وغيرها بجدية أقل.”

خلعنا أحذيتنا ثم جواربنا وتركنا أصابع أقدامنا تتعرض للشمس وتداعب الحشائش الأخضر في حديقة البيرة حيث نجلس، ثم حكى لى فريدريش قصة تقشعر لها الأبدان تكشف وتوضح فساد مؤسسة القضاء في ألمانيا التي رغم هذا التاريخ والواقع الذي لا يمكن نكرانه يتطاولون على قضاء الشرفاء والشمخاء.

بطل حكاياتنا كان يدعي (ر) لن نذكر الاسم بالكامل حتى لا نتهم بإهانة القضاء الألمانى. لكنه كان قاضياً في ثلاثينيات القرن الماضي في ألمانيا، تحت ظل الصليب المعقوف لنسر الحزب النازى حكم (ر) من على منصة القضاء. وحينما صعد هتلر إلى الحكم، لم يعد هناك برلمان ولا انتخابات، وبدأت عمليات تهجير وإبادة واسعة لا للإسلامين أو الإرهابيين بل اليهود ثم كل الأعراق والجنسيات التي كان يمكن أن تقف في وجه حلم هتلر، ألمانيا قد الدنيا، فوق الجميع.

القاضي (ر) وظف العدالة لخدمة وطنه وقائد وطنه، وكان ظالماً مجرماً حقيقياً. وقت الحرب أسس هتلر ما سيعرف بعد ذلك بمحاكم الشعب، وهى محاكم استثنائية جرى إنشاؤها لإنزال العقاب بالخصوم السياسيين والمواطنين الأبرياء الذين لا يحبون القائد أو ألمانيا بالقدر الكافي وجميع من تبدو عليه إمارات الاختلاف. كان (ر) أكفأ القضاة، بعض القضايا كان يصدر أحكاماً بالإعدام فيها من الجلسة الأولى، في إحدى السنوات بلغت أحكام الإعدام التي أصدرها مُنفرداً ونفذت أكثر من 250 حكما. كان هذا رقما قياسيا استثنائيا وقتها، لكن الحمد لله تم كسره الآن بالريادة المصرية. لثلاث سنوات متتالية كرمه هتلر في عيد العدالة السنوي وحصل على المقصلة الذهبية.

الفقيد السفاح مجرم التاريخ هتلر كان له فضيلة الصراحة والاتساق مع كونه مجرماً، لذا فقضاته المفضلون كان يجمعهم في احتفال مهيب لتكريم أفضل القضاة، وفي زمن هتلر كما في أزمنة أكثر سواداً ستأتى بعد ذلك، كان هتلر يختار أفضل القضاة بناء على مقدار أحكام الإعدام التي يصدرونها. أكثر قاض كان يحكم بالإعدام على مدار العام يحصل على مقصلة ذهبية صغيرة، القاضية التالية مقصلة فضية، والثالثة برونزية، ثم الباقون شهادات ادخار وميدالية على الأرجح.

هزم نظام هتلر، وسحقت ألماينا. حوكم من ظل حياً من مجرمى الحزب النازي ومن العسكريين الألمان الذين شاركوا في عمليات القتل والإبادة الجماعية. قسمت ألمانيا إلي شطرين ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية. كان (ر) قاضياً في ألمانيا الغربية. لم يعزل من عمله، لم يحاكم. فأوامر القتل التي أصدرها في هيئة أحكام لم ينظر لها أبداً كجرائم. لأن القضاة لا يقتلون، أو يرتكبون الأخطاء.

أعدم (ر) مئات المواطنين الألمان منهم أفراد كانت جريمتهم مساعدة المضطهدين وتهريبهم خارج الأراضي الألمانية. أهالى الضحايا لم ينسوا أبداً. بعد قيام دولة ألمانيا الغربية بدستور رفع شعارات الليبرالية والعدالة وحرية التعبير والرأى وإلى آخره. حاول أهالى الضحايا محاكمة القاضي (ر) بتهمة قتل أبنائهم، لكن حصانته القضائية حمته من المساءلة القضائية.

دليوس حكي كيف ظلت أرملة أحد ضحايا القاضي المجرم (ر) تراقب صعوده داخل بنية الجهاز القضائي، حتى أصبح قاضياً للمحكمة الدستورية في ألمانيا الغربية، وبعدما وصل لمرحلة المعاش وفقد حصانتها لقضائية تشجعت الأرملة ورفعت قضية ضده. لكن من فحص القضية ومن كان واجبهم التحقيق في جرائم (ر) ومحاسبته كانوا تلامذته من قضاة ومستشارين من عينهم من عائلته وعائلات أصدقاء وأبناء أصدقائه القضاة المجرمين. بالتالى رفضوا القضية، بل حاكموا الأرملة، وحولوا حياتها لجحيم.

في السبعينيات جاء جيل ألمانى جديد لم يحتمل ركام الأكاذيب هذا كله، أتى انفجاره في هيئة مجموعات إرهابية يساريه، سرقوا البنوك، خطفوا الطائرات، قتلوا المدنيين والعسكريين والقضاة. حينما أعلن خبر خروج القاضي (ر) إلي المعاش على الراديو، كان هناك طالب جامعى عاش وسط ضحايا جرائم القتل التي ارتكبها (ر). حينما وصله الخبر، استولت عليه رغبة واحدة فقط لتحقيق العدالة الغائبة أن يقتل (ر). للعدالة طرق أخري تتحقق بها خارج منصة القضاء.

hitler-hulton-getty2

الحياة طبقاً لعمرو دياب

13yy
غلاف ألبوم راجعين

في نهاية عقد التسعينيات، كان عمرو دياب حولنا في كل مكان، وعلى النواصي وفي النادي ذئاب صغيرة يلبسون ملابس تتشبه بما يرتديه عمرو دياب، ويقفون أمام أكشاك بيع شرائط الموسيقى في انتظار ظهور بوستر ألبوم عمرو دياب ليقوموا بتغيير قصة شعرهم على حسب قصة عمرو، ثم يفاجئهم عمرو في الفيديو كليب بقصة شعر جديدة، فيحتارون داخل عالم مستنسخات دياب، أي نسخة يتبعون.

كنت على طرف آخر من تلك المجموعة، والتي كانت جماعة كبيرة تحمل اسم «شباب مصر» يعبر عمرو عن أحلامهم في حياته كما أغانيه، جمل لحنية وشعرية قصيرة، تحمل تكراراً وكلمات عادية، وبتكرار بثها في الإذاعات والمحلات تتحول لإفيهات ثابتة وجزء من اللغة اليومية. كان الواحد يقابل صديقه فيسأله: «وهي عاملة إيه من تحت؟» فيرد الثاني تلقائيًا «ومين هون عليها الفحت». وسيارات المصريين تتفكك وتتداعى على الطرقات غير الممهدة والكباري المليئة بالحفر والفجوات «الزمكانية».

كان عمرو دياب يعدنا دائماً بحياة أحلى، حياة أجمل، في عينيك حبيبي شفت الأيام. وكانت أيامنا كلها تتشابه تحت وقع السأم المباركي قبل 2011، الحدث الأهم في عام تتشابه أيامه كان صدور ألبوم جديد لعمرو دياب. ليس لأننا ننتظر شيئًا جديدًا من عمرو دياب، بل لأننا ننتظر «نيولوك» جديدًا. مثلما كان البعض ينتظر من جمال مبارك ومن الإصلاح من الداخل «نيولوك» جديدًا. لكن تبين بعد ذلك أن مشاكل البواسير والصرف الصحي لا يمكن حلها بـ«نيولوك»، بل بتغيير في شكل التركيبة الحاكمة ينحي أي تمثيل مدني، ويعيد البلد مرة أخرى إلى حضن الجيش حاميها والأدرى فقط بمصلحتها.

عمرو دائمًا كان بعيدًا عن التعليق عن السياسة ومقلًا في أغانيه الوطنية المباشرة. كان المذيعون والنقاد والصحفيون يلومونه على ذلك رغم أن لديهم عشرات وربما مئات المغنين الآخرين لا يتوقفون عن الصياح والغناء للنيل والعلم والمقاتل الخطير والجو الجميل. رأوا في عمر انحرافًا عن خط الغناء الهادف أو ذي المحتوى الوطني، بينما الحقيقة لا شيء أسخف من الأغاني الوطنية غير خطب الرؤساء ونواب البرلمان. وحتى حينما كان دياب يغني ما يُصطلح عليه بأغانٍ وطنية كانت تخرج مضحكة فالحزق العاطفي الجميل والمؤثر الذي يقدمه يظل واحدًا، سواء كان يغني للقدس أو لحبيب عاش قبل منه يومًا، ثم لما جاء له عاش عمره مرة أخرى في يوم. الحزق العاطفي الذي لا يدعي الصدق كان جوهر مشروع عمرو، ورسالته لنا كيف أن المشاعر بالأساس لا تقوم إلا على الإيهام والاستهام.

لكن عمرو ظل مخلصاً لحلمه الفردي، لجسده الذي يحافظ عليه ولعائلته وللحياة الحلوة الجميلة التي يحبها. على العكس من مغنين آخرين صغار وكبار، لم يُغنِّ عمرو دياب لرؤساء أو زعماء، ولم يتزحلق للانتخابات والصراعات السياسية فيغني «مصر محتاجة ربان». لم يظهر عمرو دياب في احتفالات السيسي، ولا احتفالات مرسي، ولا احتفالات ثورة يناير. كنا كشباب منفعل نرى في مواقفه جُبنًا أو جهلًا أو تخاذلًا.

amr_dyab_2506.jpg
عمرو دياب في منزل عبد الحليم

لكن الآن حينما ننظر لأجسادنا التي تتقدم للثلاثين تتهدل الدهون من كل جانب منها، بينما عمرو تلمع جبهته ويتحول جلده للون البرتقالي. نقول ربما كانت الخيارات غير صحيحة أحياناً. ربما كان مسار الحياة الذي عبرناه ليس أفضل ما يمكن السير فيه. يصاب الناس بالإحباط يفقدون الطاقة ويسقطون في العديمة السلبية، يرمون بالذنب على مصر أو السيسي أو مرسي والإخوان والجماعات الإرهابية، بعضهم يرى أن إحباطه سببه البلد التي ودعها سعد زغلول قائلاً «مفيش فايدة». لكن عمرو دياب يخبرنا أن لا حزن حقيقي إلا حزن الفراق، ونسيان الحبايب وهجر الأشواق، أو لقاء الحبايب بعد الفراق بلا سلام ولا نظرة في العيون وكأن حباً لم يكن.

ربما كان الاندماج العاطفي خلف المُثل العليا والقيم هو خطأ جعل العاطفة تتبع القلب، بينما العواطف وكما كان دياب يكرر بلا ملل ولا كلل، لا تكون صادقة إلا بين فردين، وجميعها تتشابه في دائرة تبدأ بفرحة اللقاء والعيش سعيداً ثم العتاب والرجوع وربما الفراق ثم بداية جديدة بنظرة وفرحة والليلة دى سيبنى أعيش وأحب فيك.

لكن الحياة، كما أغاني عمرو دياب، تحتوي على مساحات فراغ كثيرة، يملؤها دياب بالذهاب إلى الجيم، نقش أسماء أبنائه على أعضاء جسده، تكوين الأسرة العائلية والزواج والطلاق، السخرية دائماً من عمرو مصطفى ثم مصالحته ثم السخرية منه مرة أخرى. وبالنسبة للبعض فلا شيء مثير في هذه الدائرة سوى السخرية من عمرو مصطفى. لكن يمكن خلق نمط حياة جديدة مزيج من الروح السعيدة المتفائلة المحبة للحياة واهتمامات آخر يغير الذهاب للجيم، كالرغبة في هدم الدولة المتعفنة، أو السخرية من هيبتها أو نظامها العبثي حيث قضاة يرتدون النظارات المعتمة لإخفاء العيون المجوفة.

يا عمرو، نحن آسفون لم نعطِك حقك، ولم نقدر فلسفتك في مواجهة البؤس، ولم نحترم ضعف قدراتك أمام الكاميرا أو في مواجهة الإعلام، سخرنا من ضعف قدراتك اللغوية والكلامية ورأينها امتدادًا للإطناب والملل المتكرر في كلمات أغانيك. سنعود للملل مرة أخرى، ونشوف الأيام.

Amr

ضرورة الشعر في مزبلة الوعى الجمعي

نشرت في المصري اليوم 2015

1

انظر إلى الحملة على السبكى مثلاً. أنه مصلوب في أحلام وخيالات قطاعات عريضة من الجمهور كصانع للمتعة ومرتكب للخطيئة في ذات الوقت.

عموماً البعض يستمتع بالفن، والبعض لا يستمتع. لكن الجميع يشترك في تلك الرغبة الحارقة في توجيه الفن والفنانين وتحديد ما يجب أن يكون عليه. في السنوات الأخيرة تحديداً فالضغط على ما يجب أن يكون عليه شكل الفن في مصر أثمر صفر للسينما المصرية في مهرجان القاهرة الأخير وفي معظم المهرجانات العالمية، ورقابة يقودها هاني شاكر ومعهم السادة أمناء ونقباء الشرطة في النقابات الفنية، على كل من يتم ضبطه متلبساً بارتكاب الفن. كحملة مخططة لتجفيف منابع الفن، وحصار منتجيه.

2

يقولون للفنان أنت تسئ لسمعة مصر، كاره لمجتمعك وناسك لا تري ولا تظهر إلا القبيح. وإذا قدم منتجاً تربوياً يتثاءب الموزع في المشاهدة ويعرض عليه بيعه للتلفزيون المصري أو الشؤون المعنوية لتخزينه وسط غيره في المهملات.

يقولون للفنان عليك أن تري الجمال، أن تشعر جمهورك بالجمال والحب والقيم الإنسانية النبيلة. يطالبون الفنان أن يفقأ عينيه، ويثقب طبلة أذنيه، ويتحول لإنسان ينفث الجمال متوهمين أن ذلك وحده كفيل بخلق عالم جميل. مثلما يتوهمون لعقود طويلة أن ترديد الأغاني والأناشيد الوطنية ووصف كتابها بالشعراء الكبار وشعراء الضمير والقولون كفيل بجعل مزبلتهم بلداً، ودولة عظمى. يقودها كما أفسد ذوقنا شعراء القصائد الغنائية، قبطان/ فارس/ ريس/ مجدع. على اعتبار أن اصباغ الصفات الشعرية خلال عقود طويلة من زمن الجمهورية كفيل بنزع القوادة وإكسابه الجدعنة والفروسية.

3

يريدون للفن أن يكون متوقعاً. نسخة مما عرفوها قبل ذلك. محاكاة لما اتفقوا عليه فن راقي، وفن قومى، وفن يحمل اسم مصر. وهو الأمر المستحيل ببساطة لأن جوهر الرغبة في الابداع تنبع من مخالفة ما هو سائد، وهى مخالفة منبعها أن أصل الحياة حركة. والفن هو انعكاس للذات الفردية للمبدع وما ينطبع فيها من عالمنا. والاثنان العالم والفنان متغيران. والفن الممسوخ الذي تفرضه الآن السلطة برؤوسها الثلاثة في مصر (المال، الدولة، المؤسسة الدينية) هو انعكاس لأزمة رؤوس هذا السلطة، التي تحاول تجميد اللحظة طمعاً في خلود طمأنينة خادعة تعيش فيها متجاهلة حقيقة أن المزبلة قبل أن تكون واقع معاش هي في قلب وعيهم.

4

لنخاطب بعض ما تعرفه، حتى نصنع أحجية. مثل هذه الأحاجي تشكل الطعم الذي يتم اصطياد القارئ به.

بعض القراء قد يعرفون ما يعنيه الحرفين «أ.ص». نعم صديقتى، أنه أدهم صبري رجل من طراز خاص. يحمل لقب شعبي «رجل المستحيل» بمقداره التنكر في عدد من الشخصيات المختلفة، لكنه يصر دائماً أن تحمل شخصيته الحروف الأول من اسمه «ا.ص». إذا اختار اسماً لاتينياً سيكون «أميجوصاندو». إذا اختار اسم شاعر سيكون أدهم الصفتي.

الشعر يختفي تحت ثقل الأداء المسرحي والدرامي، حيث أصبح هناك شعراء مخصصون للشاشات يتلون ويغيرون النبرات ويفتعلون المحن بلا سبب مفهوم. إلى جانب شعراء الفيسبوك والسوشيال ميديا، آلهة «اللايكات». حيث القصيدة تبنى على المفارقة والأفية. و«الاورجازم» لدى الشاعر يتزايد مع كل «لايك» حتى ينفجر لحظة أن يري صورته «كافر فوتو» بصحبة قصيدة يخبرنا فيها كيف ذهب للجلوس على قهوة فجلس على الشاي الذي كانت تشربه الحبيبة.

لكن أدهم الصفتي ينتمى لفصيلة آخري، فصيلة على وشك الانقراض. على ساعده يحمل وشم بالانجليزية «Apocalypse» وترجمتها بالعربية لا تفرق كثيراً «أبوكالبيس». افهمها أنت كيوم القيامة، أو النهاية الكارثية. وفي ديوانه الشعري الذي صدر مؤخراً عن دار نشر «ابن رشد»خصص لوشم ذراعه أكثر من قصيدة لا تحذيراً من نهاية كارثية قديمة على طريقة الشاعر المتنبئ. بل ليفتح العيون المغلقة بمشرط.

5

شاعر نهاية العالم حامل أحرف رجل المستحيل، يخصص صفحة وقصيدة واحدة في ديوانه «مزبلة الوعى الجمعي« ليحدثنا عن الوفاق الوطني كاتباً:

«استعدنا عادة الضرب على الأقفية، وبنينا حضارتنا ثانية، كل احمرار يحمل ملهاة، وكل ابتسامة تحمل حجراً من سد، تشققت الأيدي وهى تحمل الصبار. وصارت الصحاري بلا شوك.

السفلة لم يستمعوا إلى! عادة ضرب الأقفية تقترن ببناء الحضارات. ودون كذب، ليس بالابتسام وحده يكون الوفاق الوطنى.«

6

شعر لا يبتذل نفسه من أجل تقديم محاكاة لجمال لم يعد موجوداً في عالمنا. في زمن أصبحت الرغبة ومجازات وصور السعادة هي المبتغي الذي يتم تسويقه لا الجمال ولا الطبيعة الرومانسية النائمة. ربما لأن الشاعر مثلنا جميعاً لم يعش طفولة سعيدة ولم يري الجمال الذي تتحدث عنه القصائد أو كما يكتب أدهم عن طفولته:

«لم أجر كأهبل نحو بائع حلوى، ولا ضحكت جداً لنكتة بذيئة

أبليت بلاء حسناً، فأنا الآن لا أحمل كل هذا الجمال على ظهري«

شعر لا ينافق أملاً في نشر قيم وصفت لقرون بالنبالة من قبل منافقين كتبوا الشعر كمزايدة أخلاقية. فقط أدهم الصفتي هو من يمدح صفة كالكذب وجماله كاتباً:

«الكذب هو أحمر الشفاه في وجه البنت. فستانها الذي يخفي عيوب جسدها، الكحل في عينيها الضيقين، هو الصورة المعلقة على حائط تقشر طلاءه. استقامة ظهرك حين تري رئيسك في العمل. نظرة الثقة في عينيك أمام ضابط الشرطة وهو يري بطاقتك، هو اللعبة الرخيصة الملونة في يد طفل، هو مباراة رديئة تتخللها مشاجرة يعلو بسببها صوت معلق التلفزيون

الكذب إشارة مرور خضراء تجعل الحياة تمر.«

7

وماذا إذن عن الحب أو الرغبة التي قد تتخفي في ثوب الحب يا أدهم..

«ربما يحضر منشاراً كهربائياً يصلح لشق طريق في جدار غرفته –التي أساساً تحتاج إلى رتق- يمر منه إلى غرفة جارته السمينة، التي يغنى لها كل صباح:

أنا ضائع دونك يا حلوة، مثل كلب لا يجد عظمته«