عادى

صادف ذات يوم أنني كنتُ عائدًا في وقت متأخر إلى 6 أكتوبر، حينما ظهرتْ لي فَجْأَة شرموطة عَاملة بالزي الرسمي، عباية سوادء دون طرحة، بل شعر أسود تسقط منه قُصةعلى جبينها، وتَحمل بالطبع حقيبة ضَخمة جدًا ذات لون فسفُوري.

للدقة فقد تجاوزتها ببطء وأخذتُ أرَاقبها من خلال مرآة السيارة وهي تنظر للسيارة. توقفتُ وعدتُ بالسيَارة إلي الورَاء. أغلقتُ الموسيقى. أنزلتُ الزُجاج وبكل براءة وأدب طفل سعيد: “حضرتك، رايحة مكان؟ تحبي أوصلك؟

باختصار ركبتْ، وكانتْ تريد الذهاب إلي الحي 12، وهو بعيد عن منطقة سكني حاليًا، لكن قضيتُ فيه فترة طويلة أيام سنوات الدراسة الجامعية، بالتالي كان لدي شوق وحنين قوي لزيارة مرابع الشباب، ثم سألتُها: “أنت رايحة فين في الحي الاتناشر؟فردتْ، وهي تعبث في حقيبتها: “عند الكشك الأخضر“.

سَقَطَت نظرة من عيني على صدرها الكبير، الذي ظهر جزء منه من تقويرته، ثم عدتُ ونظرتُ بتركيز إلى الطريق تفاديًا لأي مطب قد يظهر من تحت الأرض، أو يسقط من السماء، انتبهتُ لحركتها فنظرتُ فإذ بالشرموطة قد أخرجتُ سكينًا ناصعةً، ووضعتْ طرفها على حافة معدتي وهي تصرخ: “وقف العربية على جنب يا ابن المتناكة“.

نظرتُ للسكين، ثم لها، تمامًا كما الأفلام، وابتسمتُ في ثقة مكملًا القيادة بهدوء: إيه دا يا وزة؟، نغزتْ طرف السكين الضخمة أكثر في خصري، ثم نزلتْ به مرورًا بفخذي، حتى أصبح السكين بين فخذيّ، وطرفه ينغز بالضبط في زبري المنكمش خوفًا.

—— —

من قصص مجموعة لغز المهرجان المشطور

إفراط في التأويل بخصوص #أرض_الخوف

نشرت هذه التدوينة في 2012 على أرشيف مدونة وسع خيالك القديم، نعيد نشرها هنا رغم تغيير الأوضاع والمنطلقات، لكن ضياع يحيي أبو دبور لا يزال قائم

من بين كل أفلام داود عبد السيد ينفتح فيلم أرض الخوف على عدد لا نهائي من الاحتمالات والتأويلات الذاتية والعامة والتاريخية والرمزية.

وقد شغف الكثيرون وأنا واحد منها بالحالة الملحمية للفيلم وقدرته على كشف الكثير من المناطق المظلمة سواء على مستوى المحيط العام أو المحيط الخاص. ومن خلال محادثات متفرقة مع الصديق حمادة الشهير بمحمد نعيم تمكنت من الوقوف على بعض العتبات لاستكشاف أشياء.

“أرض الخوف” الذي يمكن تناوله بداية من كونه حكاية رمزية لجيل الستينات جيل داود عبد السيد الذي استيقظ في عام 1999 سنة  إنتاج الفيلم ليجد كل حياته وجهده التنويري محصوراً بين الجهل واستبداد وفساد السلطة والبودرة اللى نزلت السوق. في الوقت ذاته يمكن استقبال الفيلم كمحاكاة للتجربة الإنسانية بشكلها الأعم حيث رحلة الإنسان مع الأديان وتجار المخدرات الذي يحملون أسماء الأنبياء أو دلائل كحالة “هدهد” وذلك التقارب مع سليمان الحكيم، ورجب الشهر الإسلامى، ووحش البودرة المدعوم من نظام من الأعلى وسيأكل السوق كله.

مؤخراً ازداد شغفي بالفيلم خصوصاً بعد مشاهدة نسخة نادرة منه عرضت على قناة النهار التلفزيونية وتقريبا هى أفضل نسخة على مستوى جودة الصورة والألوان. وأثناء المشى ليلاً في شوارع أكتوبر الخالية بدا لى في ضوء شغفي بالفيلم أن هناك أشياء وإشارات يمكن عبرها فهم صيرورة الحركة تبرير ما حدث وإدراك ما سوف يأتى.

تجارة المخدرات هذه المرة ليست المخدرات، لكنها معادل رمزى لشبكات الحكم والإدارة ذات الفاعلية والتأثير على إدارة وحكم البلاد القديمة ورقعتها الجغرافيا المديدة مصر.

-قبل أن يأكل “آدم” من التفاحة يخبره الرجل الغامض: “خلى بالك مش هتبقي محمى من الشرطة بأى شكل من الأشكال”. يمد آدم يده للتفاحة يكمل الرجل الغامض: “المشكلة الحقيقية يا يحيي أنك مش هتمثل الفساد. دا مش دور على المسرح. دى حياة أنت هتبقي فاسد فعلا. هتبقي تاجر مخدرات فعلا. بس في أعمق مكان في عقلك لازم في النهاية تعرف أنك ضابط شرطة.. هتخون وتسرق وتسمم المجتمع وهيطاردك البوليس”. ومثل شباب الثورة تم ارتكاب جميع الخطايا لكن جميعها تم تبريرها وفي أعمق أعماقهم كانت الثورة وخدمتها واستمرارها هى النواة الثابتة. بعضهم سيخوض الانتخابات وسيصل إلى أعلى الدرجات في سلم تجارة المخدرات وتجارة السلطة وما شابها وقاربها من درجات.

-على طرف آخر يقول المعلم هدهد: “قتل النفس أصعب شئ لكن أوقات لازم نقتل. ربنا خلق عبيدة كل واحد بهدف، خلقنا تجار مخدرات عشان نبسط الناس، جعلنا اغنيا بس المال دا كلة مال ربنا مش مالنا .. جعلنا مسئولين عنة .. لكن مفيش ورد من غير شوك ولا جنة من غير نار … ربنا عمل علينا واجبات و امور لازم نشيلها .. منها اننا احيانا لازم نقتل“.

وعلى حافة الجبل المطل على الوادى يجلس المشير/ المعلم هدهد. تلخص الفقرة السابقة جوهر إيمانه كرجل عسكري خاض الحروب كلها الأرقام شهداء يقام لهم جنازة عسكرية ومعاش شهيد. والجميع أولاده. ضابط الشرطة يتم تكريمه والشهيد الذي قتله ضابط الشرطة يتم تكريمه. الجميع أولاده وأبناءه ومسئولين وتحت رعاية قواته المسلحة.

يطلب آدم من المعلم “سعده المنزلاوى” اثنين مليون جنيه بضاعة لكى يتحول إلى المعلم “أبو دبورة” ومن عجائب القدر وتدابير تصاريفه أن يحصل شباب الثورة على أكبر عدد من الأصوات في الدقهلية ونواحى المنزلة لكى يصبح آدم طرف وجزء أساسي من أطراف المعادلة. وفي عربية مرسيدس تتجه من مصر الجديدة نحو وسط البلد مروراً بالعباسية يتم عقد اجتماع القوى الوطنية بحضور “المعلم رجب”.

قواعد اللعبة تتغير يكتب آدم في تقريره: “الملاحظ أن هناك تجار جدد تم رصدهم والتبليغ عنهم في تقارير سابقة لا ينطبق عليهم الشكل التقليدى لتاجر ومهرب المخدرات بل أن القادمين الجدد يأتون من أنشطة آخري مشروعة ويدخلون المجال من أعلى السلم وليس من أسفله. وهو ما يحدث لأول مرة. أننى أنبه لتغير أساسى يحدث في السوق”.

أنها ما يعرف إعلاميا بثورة 25 يناير.

تنتهى صلاحية المخدرات القديمة. وتظهر وجوه جديدة.

في هيلتون رمسيس يظهر المعلم “رجب” في اجتماع القوى الوطنية ويعرض عليهم الجديد في علوم الإدارة وحكم البلاد والسياسية. “البودرة/ مشروع النهضة/ تطبيق الشريعة/ الإسلام السياسي”.

البودرة نزلت السوق يا معلمين.

ينقسم المعلمين في موقفهم من البودرة ومن مشروع الإسلام السياسي. المعلم إبراهيم الحوت سيد المعلمين وخدامهم هو هنا الفيض الشعبي الواسع، النقاط البيضاء المتناثرة التى تشكل في حيز كبير منها النمل الأبيض السلفي. ومثل حزب النور يسعى في الخير دائماً. ومن الطبيعى أن ينحاز المعلم إبراهيم الحوت إلى مشروع النهضة مع تمثيل الرفض الظاهرى لكى لا يغضب بقية المعلمين.

آدم. شاب الثورة يستمع إلى عرض مشروع النهضة من المعلم رجب صامتاً. لا تعليق. فالإخوان فصيل وطنى شارك معنا في الثورة من 25 يناير. قادتهم نصفهم كانوا في المعتقلات والنصف الثانى يجلس مع سفاح ورئيس جهاز المخابرات.

يقول المعلم رجب أو رجب بيه أو الشيخ رجب: “عايزين نشتغل في حاجة مكسبها 500%. اللى يجربها ميقدرش ينساها. ويزيد استهلاكه يوم بعد الثانى. هى دى البضاعة الجديدة.. وهى المستقبل”.

والأرنب يا معلمين مع البودرة يعمل خمس أرانب.

أثناء عرض رجب به. يتحدث المعلم هدهد مقاطعاً. بخبرة السنين بمدى علمه بدهاليز مؤسسات الدولة العميقة وفروعها. المعلم هدهد مثل المشير بدأ صاغ مع رفاقه من الصاغات واليوزباشي في ثورة 52. صعد السلم من تحت.

كنت بوصل تربة الحشيش بشلن

صبيان المعلم هدهد من لواءات ورتب عليا والصبيان اللى تحتهم من ملازم أول لعميد لا يقلون عن مليون نفس. يرفض المعلم هدهد التعاون مع مشروع الإسلام السياسي.

فيصارحه رجب أو خيرت بيه: “من حقك يا معلم هدهد لكن احنا محتاجين صبيانك“.

 هنا يأتى التحذير النهائي من المشير هدهد: “اللى هيتعدى عليا.. هحرق روحه” والعباسية وغيرها وكل ما عبر وحدث لم يكن إلا بروفة.

لكنه المعلم هدهد بحنكة وخبرة السنين لن يقف أمام رجب. لأنه يعرف أن صبيانه محتاجين للبودرة أو على الأقل محتاجين لفلوسها. سيتمسك المعلم هدهد بموقعه كقائد عسكري للباطنية. الصورة من الخارج تظهره كمسيطر على الباطنية وما جوارها من أحياء ومؤسسات لكنه سيتغاضي ويغمض عينيه عن تغلغل البودرة في السوق واتساع نفوذ المعلم رجب.

نقطة ومن أول السطر.

*        *        *

يتناول البرادعى العشاء مع السيد موافي مدير المخابرات العامة المصرية كما يخبرنا بذلك السيد إبراهيم عيسي في واحدة من مقالاته.

لنتأمل في حالة إبراهيم عيسي للحظات. ولنتأمل أيضاً حالة صديقه القديم عبد الله كمال.

كان الاثنان زملاء في مؤسسة روز اليوسف ربطت بينهم صداقة قوية. واشترك الاثنان في كتابة كتاب لم يظهر مثيل له في الكتابة الصحفية التحليلية عن الأغنية البديلة في الثمانيات.

باختصار يمثل الاثنان زهوة الانتلجنسيا المصرية في الثمانيات. المثقفين. الأفندية. سلالة اجرى يا محمد أفندى في فيلم “الأرض”.

أما في “أرض الخوف” فموسي أفندى هو ساعى البريد المحب للتراث المصري الحقيقي والأصيل. المدافع عن دور الأزهر. وحينما يلتقي مع أبو دبورة يكون اللقاء في رحاب مسجد السلطان حسن.

في العقد الأخير، أصبح إبراهيم عيسي واحد من الأسماء الصحفية البارزة المعارضة لنظام مبارك. وعبد الله المدافعة عن هذه النظام. بعد الثورة انقلب الحال تحول عبد الله إلى واحد من الأصوات المعارضة للنظام وتحمل بسبب هذه المعارضة مغادرة مناصبه الصحفية وابتعاد الأضواء عنه. بينما العكس حدث لإبراهيم عيسي برامج، جرائد، نجومية غير محدودة ودفاع عن تماسك الدولة المصرية والتحذير من البودرة وخطرها.

كل التناقضات في موسي.

العقل والفانتازيا والروحانيات والايدلوجيات كلها موجودة في الانتلجنسيا المصرية.

والتناقضات هى جوهرها الأساسي.

تشتكى النخبة السياسية المصرية من سيولة المشهد السياسي المصري وصعوبة تحديد المواقف والقرارات الصائبة في اللحظة الراهنة. والانتلجنسيا مثل إبراهيم عيسي وعبد الله كمال وغيرهم تائهه أيضاً.. ضمير الأمة:

في رحاب جامع السلطان حسن يدور الحوار التالي:

ابو دبورة: أنا لما ابتديت المهمة/الثورة كنت قادر أشوف كل حاجة بوضوح.. كنت متأكد من اللى أنا بعمله.

بعد كدا.. ابتديت أحس أن أنا بشوف الصورة من ورا لوح إزاز. وبالتدريج ابتدت تتكون كدا طبقة زى التراب. المشكلة أن التراب ابتدا يزيد. لدرجة أن أنا مبقتش شايف أى حاجة… صورة ضبابية.

ذكريات.. اختلطت مع الأحلام مع الأوهام مع الحقايق. في الفترة الأخيرة بقيت أحلم بكوابيس. وبقيت خايف. بقيت أحس أن محكوم عليا بالوحدة.

متعلق في الهوا لا قادر أمسك حاجة في ايديا. ولا في أرض تحتى.

السؤال أنا ليه بقيت كدا.”

من غير ثوار الطبقة الوسطى يمكن أن يصرح بمثل هذا المونولوج إلا مع موسي الإعلام والنخبة.

*       *         *

على شاطئ البحر. في اجتماع بالمايوهات للمجلس العسكري بقيادة المعلم هدهد مع القوى المدنية للتباحث معهم في شأن قضية استحواذ القوى الدينية على تأسيسية الدستور. يواجه المشير هدهد  المعلم هباش أحد معلمين الدولة المدنية غالباً بقايا الحزب الوطنى:

-مانتش قادر تحكم صبيانك.. احكمهم لك أنا؟ معلمين أيه دول يا أخوى؟

معلم منزلاوى يؤكد للمعلمين مرة آخري: “يا معلمين البودرة نزلت السوق. وزباينها كترت والأشكال اللى بيوزعوها بقوا أشكال عجيبة. ايشي موظفين على طلبة جامعة”.

تدخل عليهم فتاة الثورة بعودها الرشيق في المايوه وتسألهم:

-أنتوا بجد بتشتغلوا أيه؟

*       *        *

حقائق من المستقبل.

رؤي.. إيهامات.. واستيهامات.

في لحظة تهور ذات يوم سوف يتهور آدم ويقتل المعلم رجب ومعه أيضاً إبراهيم الحوت. يخوض معركة على جبهتين مع بقايا الحزب الوطنى ومؤسسته الأمنية وضابط المباحث الذي ينصب له كميناً محكم. وفي الوقت ذاته يتهور ويقتل رجب وابراهيم الحوت.

يصرخ فيه المعلم هدهد:

-غبي… غبي غبي غبي.

لما قابلنا المعلم رجب خاطر خلانى ابص لك. لقيت شيء غريب. لقيتك بتكرهه. بتكره كره البنى آدم للموت. لكن الانسان بيكره الموت ويخاف منه لكن بيحترمه. إنما أنت بتكره رجب وبتحتقره. اندهشت.

قلت الواد دا فيه شيء غريب.

الفرق بينى وبينك أن أيامى وسنينى ونياشينى العسكرية وبدلتى الرسمية. حمول شايلها على كتفي، مقدرش اروح واشتغل معاهم. إنما أنت شاب خفيف مش شايل اللى أنا شايله.

يسأله آدم:

-أيه العلاقة بين دا وبين اللى بيحصل دلوقتى.

ويجيب هدهد:

-دول نظام مش على قد مصر. على قد العالم كله. والكبار مش احنا. دول برانا. هما اللى بيزرعوا ويحصدوا ويصدروا ويهربوا.. واحنا.. احنا اللى بنوزع. ورجب وإبراهيم هما التوكيل. لو ماتوا يجو غيرهم.

نصيحة يا أبو دبورة. سيب مصر واهرب. محدش هيرحمك. وأنا لو شفت وشك تانى هقتلك.

 

يحيا الفن الزائل

نشر هذا الموضوع في صيف 2011 في أخبار الأدب، وحصل على جائزة دبي للصحافة العربية كأفضل موضوع ثقافي عام 2011.

جنزير، موفا، التنين، ملكة جمال الأزاريطة كلها ليست أسماء خيالية، بل ألقاب لفنانين شباب يمثلون أيقونات المشهد الفني المصري الآن. أعمال هؤلاء الفنانين لن تجدها في جاليرهات يرتادها أصحاب رابطات العنق، ولا في قاعات عرض وزارة الثقافة. أعمالهم ستجدها معروضة في جاليري كبير ومفتوح اسمه المدينة. ستجد أعمالهم علي جدران القاهرة، الإسكندرية، أسيوط وربما مدن مصرية أخري. اختار هؤلاء الفنانون ا الجدران العامة مكانا للعرض ورجل الشارع العابر جمهوراً له. هذا فن ينتشر في المدن المصرية ويحمل اسم “الجرافيتي”. يقوم به في الغالب أشخاص مجهولون، وفنانون لا يضعون توقيعاً بجانب أعمالهم. كل ما يطمحون فيه تلك اللذة السرية في التواصل المباشر مع الجمهور وفي إعادة تلوين وجه مدينتهم. في مقابل جهات رسمية كجهاز التنسيق الحضاري تدعي الحفاظ علي وجه المدينة ولا تقدم إلا إعادة طلائه كله باللون الأصفر كأننا في مدينة مريضة. نحاول في هذا الملف الوقوف علي تفاصيل مشهد “الجرافيتي” في مصر، والتعرف علي الاتجاهات الرئيسية في هذا الفن كمفتتح للاقتراب من روح المدينة المصرية الجديدة.

العم عمرو

في ربيع 2007 استيقظ سكان حي مصر الجديدة ذات يوم ليجدوا علي طول شارع الميرغني عددا من الرسومات الغريبة تحتل الحوائط، أعمدة الكباري، والأرض. الرسومات التي جاءت بدون إمضاء حملت أيقونات متنوعة. حذاء عسكري ضخم بحجم انسان، صورة ضخمة لعمرو دياب في الثمانينيات، كائنات خيالية وآخري مشوهة، ووسط كل هذا رجل ماكدونالدز يجري فاتحاً ساقيه.

هيئة بلدية الحي الراقي والذي توليه محافظة القاهرة أهمية كبيرة نظراً لموقعه وطبيعة ساكنيه الاجتماعية لم تنتظر أي أوامر وتحركت بهمة ونشاط خلال أيام معدودة لطلاء كل هذه الأعمال الفنية وإزالتها فوراً شارك بالطبع بعض الجمهور المتطوع. لكن شاءت الصدف أن يسجل المخرج الشاب أحمد عبد الله هذه التجربة بالصور والنص علي مدونته “http://o7od.blogspot.com” ليحفظ لنا أول تجربة لحركة جرافيتي في تاريخ المشهد الفني المصري. مبادرات الجرافيتي قبل ذلك كانت مبادرات فردية من هواة يستغلون الجدران للدعاية السياسية والتجارية لكن ما حدث في “مصرالجديدة” كان أول حركة فنية منظمة تحاول تغيير صورة القاهرة.

بداية هذه الحركة كما وثقها عبد الله كان عبر الانترنت حيث تجمع مجموعة من الفنانين والمصممين الشباب في مجموعة سيبرية حملت اسم “الكاتاليست” (المحفز الكيمائي باللغة الانجليزية). كان الهدف من المجموعة مد أواصر الصداقة والتعارف بين هؤلاء الفنانين وتوفير بيئة “سيبرية” علي الانترنت يعرضون فيها أعمالهم ويتبادلون التعليقات عليها. ثم بمبادرة من فنان يحمل اسم “كريم” اتفق أعضاء المجموعة علي يوم ينزلون فيه بشكل جماعي لترك رسوماتهم وأعمالهم علي حوائط شوارع القاهرة.

معظم أعمال المجموعة كانت تندرج تحت تصنيف “البوب آرت” والتيمات المعروضة كانت صور وأيقونات من الثقافة الشعبية لهذا الجيل الجديد، لكن مع كل عمل كان الفنانون يقومون بلوي أو تغيير تفصيلة في التيمة البصرية لينقلب المعني ويؤدي إلي معني وغرض آخر في نفس الفنان. يلاحظ أيضاً في تلك الأعمال ابتعاد أعضاء المجموعة عن القضايا السياسية الحساسة، فإذا كان رجل الشرطة يمر بجوارهم دون أن يعترض لظنه أنهم يقومون بعمل دعاية، فموقفه كان سيكون مختلفا إذا كان فيما يقدمونه شبهة أي فكرة أو طرح سياسي، لهذا جاءت الأعمال بصبغة اجتماعية في أغلب الحالات.

o7od56
جرافيتى 2010

واحد من الأعمال البارزة التي أنجزت في هذا اليوم كانت الأيقونة الشهيرة لشخص يلقي ورقة في سلة مهملات. لكن بدلاً من الورقة كان هناك “أذن” وبدلاً من عبارة “حافظوا علي نظافة مدينتكم” وضع الفنان عبارة “عيب ترمي ودان”.

لم تدم تجربة “الكاتاليست” طويلاً لكنها كانت بمثابة الدفعة الأولي لفن سيظل ينمو ببطء في شوارع المدن المصرية طوال السنوات الماضية حتي يكون الانفجار الكبير للجرافيتي المصري بعد ثورة 25 يناير.

الرسم أو الكتابة علي الجدران عمل ممتد في القدم. تقريباً أينما وجد جدار ووجد إنسان، فهناك أثر ما يمكن أن نلمسه علي ذلك الجدار. وفي مصر الحديثة احتل الرسم علي الجدران حيزاً كبيراً بداية من رسومات الترحيب بالحج وزيارة بيت الله، وحتي رسومات نحن نساعدك في تربية عش الغراب، ونهاية بالقلب الذي يخترقه السهم وسمير وسميرة.. حب إلي الأبد.

لكن هناك تفاصيل طفيفة تصنع الفرق بين تلك الرسومات وفن الشارع أو الجرافيتي؛ فأولاً الجرافيتي مكانه علي الجدران والأماكن العامة التي هي ملك للجميع بمن فيهم الفنان بالطبع ولهذا ففنان الجرافيتي هو فنان متمرد بطبعه لا يحتاج لإذن من الإدارة المحلية لانجاز عمله. ومكان الجرافيتي ليس جدران المنازل أو الممتلكات الخاصة. الجرافيتي ليس فنا دعائيا فهو ليس رسما لأرنب بجواره رقم تليفون وعبارة “نحن نساعدك في تربية الأرانب”. الجرافيتي أيضاً يعبر عن خصوصية الفنان وأفكاره الخاصة، هو ليس نسخا لصورة تمثل شعار السيفين والقرآن الكريم وعبارة “الإسلام هو الحل” فنان الجرافيتي يعكس أفكاره الخاصة حتي لو كانت تلك متماشية مع ايديولوجيا أو فكر سياسي ما فيجب أن يحمل العمل بصمته الخاصة.

الجرافيتي فن متاح للجميع لاتحتاج لزيارة جاليري أو قاعة عرض لرؤيته، بل يتحقق معناه والهدف منه مع رؤية الجمهور العادي له والمشاركة فيها بحيث يتحول الحائط إلي ساحة حوار بين كل من يرغب، حوار فني مختلف الأفكار والتوجهات يؤدي في النهاية إلي عمل فني متكامل يعكس روح سكان المدينة وقيمهم الجمالية.

تميز وتفرد الجرافيتي ينبع من كونه فنا زائلا. يحصل علي خلوده واستمراريته لا من بقائه بل من استمرار عمليات الكشط والشطب للأعمال القديمة علي الحوائط وإبدالها بأعمال جديدة.

يحمل الجرافيتي بين طياته في الأغلب رسائل سياسية معارضة للنظام، أو يفضح التناقض داخل تقاليد وقيم مجتمعية راسخة. في آسيا وفي مدرسة صينية صغيرة عام 1915 قام طالب في أحدي المدارس بانجاز أكبر لوحة جرافيتي في العالم 4آلاف حرف انتقد فيها مدرسي المدرسة، والإدارة التعليمية، وإدارة المقاطعة والحكومة. وفي الصباح تم إلقاء القبض عليه وتعنيفه وإزالة اللوحة، بعد سنوات أصبح هذا الفتي هو “ماو تسي تونج” زعيم الحزب الشيوعي الصيني.

الفنان مجهول
جرافيتى مجهول من سنة 2011

لهذا فالجرافيتي فن خطر، فما يبدأ بجملة علي الجدار من الممكن أن ينتهي بجمهورية الصين الشعبية. ولذلك تشن الكثير من الحكومات الأوروبية حروبا واسعة علي الفن الجرافيتي، فهم مخربون يجب إزالة آثار أعمالهم الشيطانية التي قد تقود إلي نهايات غير طيبة. إلي جانب إصرار البعض علي وصف الجرافيتي والنظر إليه بصفته تخريبا لا كفن شعبي جماهيري خارج عن التقاليد المؤسسية. في انجلترا ظهرت علي جدران لندن منذ سنوات طويلة أعمال فنان يدعي “بانكسي” لكن لا أحد يعرف وجهة حتي الآن تنتقد كل رموز النظام السياسي الانجليزي من عساكر الدرك وحتي الملكة، وانتقلت رسومات “بانكسي” لتترك أثرها علي حوائط العديد من المدن العالمية بداية من نيويورك وباكين وحتي الجدار العازل بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية واحتاج الأمر لسنوات طويلة حتي تتوقف الإدارة المحلية للندن عن إزالة أعمال بانكسي، بل وتوفير خريطة للمدينة يمكن للزائر عبرها مشاهدة أعمال بانكسي الذي تحول لأيقونة للفن الانجليزي الحديث. عند نقطة ما تنظر الحكومات المحلية للجرافيتي كبصمة للمدينة يكسبها خصوصيتها، خصوصاً إذا استطاع فنانو تلك المدينة فرض رؤيتهم أو الحصول علي دفعه إعلامية تمكنهم من التحول إلي أيقونات فنية بعيدا عن عنف ومطاردات الشرطة.

رغم تشارك معظم حكومات العالم في حربها علي الجرافيتي إلا أن بدر عبد الملك في كتابه “الإنسان والجدار” يوضح الفرق بين الدول الديمقراطية والدول القمعية في علاقتها مع الجرافيتي، فبينما تزيل الأولي الجرافيتي بغرض الحفاظ علي المنشآت العامة وبدعاوي الحفاظ علي النظافة العامة. لا تهتم الدول القمعية بالجرافيتي إلا إذا احتوي علي رسائل سياسية مباشرة أو حمل مضمونا فنيا يصعب تفسيره ويثير البلبلة واهتمام الرأي العام. وكما يوضح عبد الملك “اهتمام الدولة القمعية منصب علي مضمون الكتابة، أكثر من الاهتمام بممتلكات الأفراد والمجتمع، وما عدا ذلك فإنها لا تبدي أهمية كبيرة للحفاظ علي نظافة وحماية الممتلكات العامة والخاصة”. يبدو هذا واضحاً في التجربة المصرية فقد ترافقت تجربة مجموعة “ايكاليست” مع نمو متزايد للاهتمام بالجرافيتي لدي الفنانين الشباب. من بعيد كانت الحكومة بمؤسساتها الثقافية والفنية تراقب الظاهرة عن كثب. البعض قد يتذكر في العام 2009 حينما انتشرت علي أرض شوارع منطقة وسط البلد رسمة غامضة “لرجل يمسك بيده مقشة”. سرت في الإعلام الرسمي موجةمن الرعب وانتقلت أجهزة الشرطة تبحث عمن قاموا بهذه الرسومات.

تم إلقاء التهمة وقتها علي شباب “الايموز” ليأخذوا مكان “عبدة الشيطان” الأكذوبة الإعلامية الأضخم في زمن التسعينات. تحركت أجهزة البلدية لإعادة طلاء الأرض وإزالة الرسم الغامض الذي حير سكان المنطقة. ذراع الدولة الثقافية المتمثلة في وزارة الثقافة كان أكثر حنكة في تعاملها مع ظاهرة الجرافيتي، وربما كان القائمون علي الوزارة أكثر دراية بما قد يمثله “الجرافيتي” من خطورة محتملة علي الفن المدجن الذي تنتجه وترعاه وزارة الثقافة، لهذا سارعت باحتواء رغبات الفنانين الشباب عبر إقامة مهرجانات دورية لفن الجرافيتي في متحف محمود خليل. كان يتم جمع شباب الفنانين وإعطاؤهم مساحة للرسم والتلوين ثم وضع أعمالهم الفنية حبيسة داخل جدران المتحف.

البعض اعترض وقتها فالرسم علي لوحات قماشية أو ورقية حتي لو كان بمساحات كبيرة لا يحول العمل إلي جرافيتي. حينها تمت إقامة سلسلة مسابقات تحت إشراف وزارة الثقافة لطلاء ورسم بعض جدران المؤسسات العامة في القاهرة، كسور مسرح البالون والسور الموجود في نهاية شارع الهرم. كان علي الفنانين أن يتقدموا بأوراق أو نماذج للأعمال التي يرغبون في تقديمها ثم تختار لجنة تحكيم من بين هذه الأعمال العمل الفائز وتقوم بمنح الفنان الفرصة لتنفيذه علي تلك الجدران.

النتيجة كانت الكارثة الجمالية الموجودة في عدد من شوارع القاهرة. تشكيلات لونية متداخلة تمثل نهر النيل، وأطفال يطيرون الطائرات الورقية. تيمات رسمية مقررة مثل تلك التي نراها علي جدران المدارس في إطار حملات “مدرستي نظيفة متطورة”. لكن في النهاية كانت أعمالا فائزة في مسابقة رسمية حصلت علي ختم النسر من وزارة الثقافة قبل تنفيذها. المار بجوارها لا يجد فيها ما يستحق التأمل أو التفكير. بقع ألوان علي الحائط تم تنفيذها بدعم من وزارة ثقافة فاروق حسني.

تعامل الحكومة والمؤسسة الرسمية في ذلك الوقت مع الجرافيتي مثال يلخص سياسة طويلة عاشت فيها مصر طوال ثلاثين عاماً. فالفن مساحته الوحيدة المتاحة هي وزارة الثقافة، أما إذا فكرت في الخروج خارج الحظيرة فالشرطة سوف تطاردك وتقبض عليك. وتصمك بأنك من “عبدة الشيطان” أو شباب الايموز.

بعيداً عن قبضة السلطة المركزية في القاهرة. كان وضع الجرافيتي أفضل كثيراً في مدينة الإسكندرية.

منذ التسعينات عرفت الإسكندرية نموذجاً بدائياً للجرافيتي يتمثل في أعمال واحد من أشهر الشخصيات السكندرية العامة وهو “جمال الدولي”. مشجع نادي الإتحاد السكندري وصاحب الجداريات وأعمال الجرافيتي التي تتناول كل شئون الحياة بداية من وضع الدوري المصري لكرة القدم، وحتي الشئون الفنية وآخر أعمال فنانته المحبوبة ليلي علوي وانتهاءاً بالشأن السياسي.

كان الدولي هو النسخة السكندرانية لعبد الرازق عفيفي أديب الشباب في القاهرة، والذي كان يروج لكتبه علي الجدران. الدولي في المقابل لم يكن يمتلك كتبا مطبوعة لذلك كان يروج لنفسه واسمه فقط.

في 2009 ظهرت أول مبادرة لتأسيس مبادرة للجرافيتي الحديث في إسكندرية. كان هناك تلك الفتاة ذات الشعر القصير، والبسمة الشريرة الساحرة التي تتحرك في شوارع الإسكندرية وهي تمطي “العجلة”. لم تكن آية طارق تهتم بكل التعليقات والمعاكسات التي تلقي عليها، كانت تستمر في التبديل فوق العجلة، وتتحرك من شارع لآخر فوق ظهرها حقيبتها داخلها “علب الاسباري” والألوان، وكل مستلزمات أعمال الجرافيتي.

دخلت آية كلية الفنون الجميلة، لكنها لم تجد في محاضرات الكلية وما تدرسه ما يفيدها. ركزت علي تنمية مهاراتها وتنمية معرفتها بنفسه “البركة في الإنترنت.. يخليك مش محتاج لحد”. علي الانترنت تمتلك آية موقعاً تقدم فيه نفسها تحت لقب “ملكة جمال الأزاريطة” إحدي المناطق الحيوية المفضلة لدي آية في مدينةالإسكندرية.

لم تأت آية من عائلة فنية بالمعني التقليدي لكن جدها من طرف أمها “حسن إبراهيم” كان فنان دعاية معروف في السبعينات والثمانيات. لديه استديو صغير وأنجز آلاف التصميمات والرسومات لأفيشات الأفلام ولافتات الماركات والمحلات التجارية. إذا تمكنت يوماً من السفر عبر الزمن إلي إسكندرية الثمانينات فمعظم الرموز والأيقونات الجمالية والبصرية التي قد تراها في شوارع الإسكندرية تم انجازها من طرف الجد حسن إبراهيم.

حينما بدأت آية في الاهتمام بالفن بشكل أعمق، مثل أي فنان بدأت في البحث عن مكان ولو غرفة كمعمل لأفكارها وتجاربها. أعادت فتح “استديو” الجد لكن هذه المرة كاستديو خاص لها اسمته “استديو فوق وتحت”. فتحت آية الاستديو لفناني الإسكندرية أو أي فنان مصري يرغب في المشاركة معاها في ورشة الجرافيتي التي فتحت باب الانضمام إليها في ديسمبر 2009. الورشة أقيمت بإمكانيات بسيطة وعلي نفقة الفنانين الشباب أنفسهم.

آية

علي مدار شهور طويلة شاركت آية مع فنانين آخرين منهم ساره سامي، محمد رجب، محمد جابر، في انجاز عشرات الأعمال الفنية التي زينت شوارع الإسكندرية. الأعمال التي تم انتاجها من خلال تلك الورشة عكست صورة أكثر حيوية للمشهد الفني، واللافت أن كلمة “الثورة” كانت حاضرة بقوة في معظمها. إحدي القطع التي شارك في انجازها أكثر من فنان كان رسما لمخ بشري ملون، كتب بجواره “الثورة تبدأ من هنا”. وعلي طول جدار مبني آخر كتب بخط رقعة جميل “غرباء في هذا العالم”. حتي القبضة المضمومة الشعار الثوري الأثير علي مدار القرن الماضي ظهر في أحد الأعمال لكن اليد هذه المرة كانت تمسك “رول” طلاء وكتب بجواره عبارة “كن مع الفن”.

آية طارق7
جرافيتى محمد جابر ضمن ورشة الإسكندرية

لم تكن السياسة هي العنصر الأبرز في أعمال ورشة آية طارق، كانت تيمات وأيقونات الثقافة الشعبية أيضاً حاضرة؛ علي أحد الجدران هناك تليفزيون مرسوم والشاشة يحتلها شعار البرنامج التلفزيوني “البيت بيتك” لكن الجملة يحولها الفنان لتصبح “البيض بيضك”. علي جدار الآخر نجد خريطة لإشارات اليد التي يتعامل بها سائقوا الميكروباصات وبجواره مكتوب بخط هندسي “مسارك/حدد/ مصيرك”.

تحولت آية إلي أيقونة في أوساط فناني “الاندر جراوند”، وظهرت أعمالها في فيلم “ميكروفون” الذي عرض مع بدايات أحداث ثورة 25 يناير 2011.

آية طارق2
من اليمين لليسار جابر، ساره، آية، رجب

إلي جانب كونه فنا مستقلا بذاته يتماس “الجرافيتي” مع عدد من الفنون والظواهر الاجتماعية والثقافية التي ظهرت في مصر خلال السنوات الأخيرة تحديداً موسيقي وثقافة “الراب”، وتجمعات حركات الألتراس الرياضية. فتلك الجماعات الاجتماعية والتي لم تجد أي مساحة أو وسيلة تعبر بها عن نفسها، بل شن الإعلام الرسمي حملات هجوم مكثفه عليهم بصفتهم مخربين لأنهم فقط يشعلون “الشماريخ” ويدقون “الطبول”. والنتيجة لم يكن أمامهم سوي الجدران التي تحولت العبارات المكتوبة عليها من “الزمالك مظلوم” إلي جداريات ضخمة تحمل أيقونات تلك الأندية والفرق الموسيقية. وأحيانا تتماس مع بعض التوجهات السياسية التي تتبناها تلك الروابط الإجتماعية فعلي سور نادي 6 أكتوبر الرياضي سوف نجد العديد من جداريات “الألتراس” تحمل شعار الرابطة علي خلفية علم فلسطين.

 

آية طارق
جرافيتى لآية طارق

 

صحيح أن قطع “جرافيتي” الألتراس وفرق الراب لم تعكس رؤية فردية لأصحابها، ولم يأت معظمها علي مستوي فني بارز. لكنها ساهمت في نشر ثقافة الجرافيتي وإكسابه قبولاً عاماً في الشارع، وجذب عشرات الشباب للتعرف علي تقنيات وأدوات ممارسة هذا الفن.

خلال سنوات من التدريب والممارسة نمي أعضاء تلك الجماعات الإجتماعية مهاراتهم في التعامل مع الطباعة وتفريغ القوالب لاستخدامها في انجاز قطع الجرافيتي، إلي جانب استخدام “الاسباري” للكتابة علي الجدران. أيضاً عبر مواجهات الألتراس مع قوات الأمن في المباريات الرياضية طوروا مهاراتهم في التعامل مع عنف قوات الأمن، لهذا فيوم 28 يناير المعركة الحاسمة في ثورة 25 يناير، كان الألتراس هم رأس الحربة للمظاهرات والمسيرات التي تحركت من كل مكان في القاهرةباتجاه ميدان التحرير. وحينما هدأت المعركة كان شباب هذا الروبط إلي جانب فناني الجرافيتي هم أول من بدأوا مهمة إعادة رسم وتشكيل شوارع قاهرة ما بعد الثورة.

 

 

جنزير

كان يمكن للفنان الشاب المعروف بموفا وأحيانا يلقبونه “جنزير” أن يرضي بدوره كواحد من أهم الأسماء الفنية الشابة، أعماله تعرض في قاعات وزارة الثقافة، وتشارك في معارض عالمية في هولندا وأوروبا، وتصميماته محل تنافس الشركات العالمية للحصول عليها. لكن جنزير والذي سبق له القيام ببعض تجارب “الجرافيتي” قبل الثورة، شعر أن عليه مسئولية آخري في مصر ما بعد 25 يناير. يلخص هذه المسئولية في جملة بسيطة “شعرت أنه لا بد من وجود تقارب أكثر بين الفنانين ورجل الشارع العادي.” ويكمل شارحاً لماذا زادت هذه المسئولية بعد الثورة “زمان كنا نتحجج بالحكومة والسلطة لم تكن تترك أي مساحة من الحرية للفنانين أو مجال للتقارب بينهم وبين رجل الشارع العادي. لكن الآن لا يصح أن يظل الفنانين في قوقعتهم الخاصة إلا إذا كان الفنان خائفاً أو كسولاً.”

يري جنزير أن الثورة سوف تغير الكثير من تفاصيل المشهد الفني المصري، فبالنسبة له بدا واضحاً أن دور “الجاليرهات” لا يمثل أي قيمة. فالمدينة كلها يمكن تحويلها إلي جاليري كبير.

بعد الثورة انطلق جنزير بالتعاون مع عدد من الفنانين الشباب والمتطوعين لتنفيذ جداريات ضخمة في شوارع القاهرة وفي أحياء متفرقة من العاصمة المترامية. البداية كانت بجداريات الشهداء. بورتريهات كاملة لشهداء الثورة يمكنك أن تجدها علي جدار دورة مياه أمام دار القضاء العالي، أو في موقف باب اللوق. لاقت هذه الجداريات التي تم تنفيذها بألوان زاهية وبجوار كل جدارية اسم الشهيد وسنه وأحيانا فقرة عن كيف استشهد أثناء المظاهرات السلمية. الجداريات لم يكن الغرض منها فقط تخليد الشهداء، بل تذكير المارة أن هناك من ضحي بحياته من أجل مصر جديدة وأن دمه أمانة في عنق هذا المار. لاقت الجداريات استحسانا كبيراً من المارة وسكان المناطق الموضوعة فيها. لكن ذات يوم استيقظ سكان منطقة باب اللوق ليجدوا أن صورة الشهيد التي كانت موجودة علي جدار إحدي دورات المياة تمت إزالتها.

توجهت الشكوك في البداية نحو إدارة حي عابدين أو هيئة نظافة وتجميل القاهرة، لكن الإثنين نفيا مسئوليتهما أو معرفتهما بمن قام بإزالة صورة الشهيد. جنزير حاول القيام بتحرياته الخاصة صاحب محل بقالة وعدد من أصحاب المحلات التجارية في المنطقة وجهوا أصابع الإتهام نحو أحد أعضاء مجلس الشعب السابقين المعروف بتأييده للنظام السابق. بعد أيام قليلة تم استدعاء عضو مجلس الشعب المتهم إلي النيابة ووضعه في سجن طره لتورطه في قضية الاعتداء علي المتظاهرين في موقعة الجمال والحمير جنزير بالتعاون مع عدد من المتطوعين أعاد رسم صورة الشهيد.

فلول الحزب الوطني لم تكن آخر العناصر التي تحارب الجرافيتي. في يوم 26 مايو الماضي تبين لجنزير أن هناك الكثير من المعارك التي لازال علي فن وفناني الجرافيتي أن يخوضها. كان جنزير في صباح هذا اليوم يلصق علي الحوائط بوستر ينتقد أداء المجلس العسكري ويدعو للخروج لمظاهرة 27 مايو التي عرفت إعلاميا بجمعة الغضب الثانية، وفي رواية الإخوان المسلمين بجمعة الوقيعة. أثناء تعليق البوستر كان بعض المارة يمرون بجوار جنزير، يعلقون بكلمة هنا أو هناك أو يفتحون نقاشا حول الموضوع. فجأة انفعل أحدهم وامسك بجنزير والمخرجة عائدة الكاشف التي كانت تساعده وأخذ يصرخ “أنتم مين؟ أنت مش مصريين؟ أنتم جواسيس؟ أنتم بتوقعوا بينا وبين الجيش” تطور الأمر حضرت الشرطة ذات الملابس البيضاء التي بدورها سلمتهم للشرطة ذات القبعات الحمراء. تم اقتياد موفا وعائدة الكاشف إلي مقر الشرطة العسكرية.

المسئول في الشرطة العسكرية نظر للبوستر، طلب شاي وقهوة لجنزير وعائدة ونديم زميلهم الثالث الذي ألقي القبض عليه. فتح حوارا وديا مع جنزير حول البوستر، ثم ودعه علي الباب. عبر المسئول عن اندهاشه من وجود جنزير. ولم يفهم لماذا تم احضاره إلي مقر النيابة العسكرية فليس هناك أي اتهام أو مخالفة ارتكبها. بعد هذا اليوم كان هناك اثنان من أصدقاء جنزير يعلقان نفس البوستر لكن في منطقة شعبية، نفس السيناريو تكرر تجمهر الناس وبدأوا في مهاجمتهم والتشكيك في وطنيتهم، في النهاية حضر أحد ضباط الشرطة. اطلع علي هوياتهم الشخصية نظر للبوستر في نظر للناس وقال لهم “طيب وأنا مالي.. دي حرية رأي وتعبير وهم أحرار” وفجأة مع عبارة الشرطي تحول موقف الجمهور من الغضب والحنق علي الشباب إلي التسابق للحصول علي البوستر.

كلا التجربتين كشفا لموفا أن التحدي الآن أمام فن الجرافيتي هو كيفية خلق علاقة مركبة مع الجمهور العادي الذي يسعي في إصرار غريب إلي أن يمارس الرقابة علي نفسه بنفسه، كعنكبوت يخنق ذاته بشبكته.

لكن الجرافيتي فن مستفز بطبعه سواء للسلطة أو الجمهور، لهذا فموفا يعرف أنه لن يتوقف عن استفزاز الاثنين. ولن يخفض من سقف أعماله، بل سيسعي فقط في المرات القادمة أن يكون أكثر حذراً. أسأله ما الذي يقصده بالحذر؟ يجيب مبتسماً ونحن خارجون من الاستديو الخاص به في منطقة لاظوغلي “يعني مش لازم اعلق بوسترات أو أعمل جرافيتي الساعة 12 الظهر”

التنين لا يتكلم

من بين مئات أعمال الجرافيتي التي ظهرت علي جدران المدن المصرية بعد الثورة، ظهرت مجموعة تحمل علامة مميزة وإمضاء واحدا حمل اسم “التنين”. من أبرز أعمال التنين قطعة “الجرافيتي” التي يمكن رؤيتها علي سور مكتبة الجامعة الأمريكية. حيث رقعة الشطرنج بالأبيض والأسود النصف الأعلي يمتلئ بقطع العساكر، وفي الأسفل جميع القطع في موقعها المعتاد ما عدا الملك مقلوباً. يحمل العمل الكثير من الدلالات حول طبيعة المشهد في مصر ما بعد الثورة. وفي أماكن متفرقة تتوزع أعمال الجرافيتي التي تسلط الضوء علي الانتهاكات التي يمارسها النظام الحاكم حالياً.

التنين شطرنج (3)
من أعمال التنين

عملية العثور علي التنين استغرقت وقتاً وبحثاً طويلا في النهاية عثرنا علي حساب علي موقع الفيسبوك يحمل اسم “التنين” وبعض الصور لأعماله، وبالتواصل معه تمكنا من تحديد موعد للقاء في العالم الواقعي شرطه الوحيد كان عدم الافصاح عن شخصيته/ شخصيتها.

يفضل التنين أن يظل مختفياً عن الأنظار. والسبب كما يقول “في الفترة القادمة سننجز الكثير من أعمال الجرافيتي التي تتعرض للنقد للكثير من العادات والأفكار الاجتماعية السلبية في المجتمع المصري، لا يمكننا التكهن برد الفعل عليها لكنه في الغالب لن يكون إيجابياً”. لا يشعر التنين بأي قلق من تعرض للمطاردة أو عنف السلطة “نثق في قدرة النشطاء والحقوقيين والرأي العام علي الضغط علي السلطة خصوصاً في قضايا الحريات والفضل في ذلك يعود إلي ثورة يناير.”

الجرافيتي كان حلما مؤجلا دائماً للتنين. أثناء الانتخابات البرلمانية الأخيرة فكر في عمل أكثر من قطعة جرافيتي تنتقد مسرحية الانتخابات المزورة لكن الأمر كان مستحيلاً لأن قبضة الشرطة كانت أقوي وأعنف. لكن في يوم 25 يناير ووسط الجماهير في الميدان ولدت فكرة مشروع التنين للجرافيتي، ويوم 26 يناير بدأ الاستعداد للتنفيذ.

الآن تنتشر أعمال التنين في مناطق تبدأ من الزمالك وحتي مصر الجديدة، والهدف في المرحلة القادمة توسيع الدائرة الجغرافية. أعمال التنين تتميز بخلوه من الكلمات هي في الغالب رسم مصمت دون أي كلمات توضيحية. والمعني الحقيقي للجرافيتي في رأي التنين يأتي من قدرة العمل علي ايقاف العابر في الطريق ودعوته لتأمله والتفكير فيه، بالتالي التفكير في حياته الخاصة والعامة واكتشاف الخطأ والتناقض في الصورة الكلية. يستخدم التنين في انجاز أعمال تقنية القوالب الجاهزة المفرغة حيث يتم لصقها ورش الاسبراي. بالتالي يسهل انجازها في وقت قصير ويصعب إزالته من علي الجدران لكن واحدة من القطع التي انجزها علي سور إحدي المؤسسات العامة في شارع القصر العيني، تعرضت لأغرب عملية تخريب فبدلا من إعادة طلاء الجدار، قام أحدهم بتكسيره.

255156_10150671642460294_825170293_19423486_1948609_n
جرافيتى لفنان آخر يرفض الافصاح عن اسمه

مازال النيل يجري

النماذج التي عرضنا لها لا تمثل إلا جزءاً ضئيلاً من مشهد الجرافيتي المصري الآخذ في الاتساع يوماً يعد يوم. وليس كل ممارسي هذا الفن في شهرة هؤلاء، فالقطاع الأكبر من فناني الجرافيتي هم جيوش من الفنانين المجهولين الذين بالتأكيد سيتزايدون يوماً بعد يوم. وأثناء الإعداد لهذا الملف كان هناك مظاهرة أمام وزارة الداخلية في ذكري قتل خالد سعيد. في وسط الهتافات واللافتات المرفوعة للمطالبة بمحاكمة القتلة. كان مجموعة من الشباب يجرون بجوار سور الوزارة لينفذوا قطعة جرافيتي جديدة “علامة” علي وزارة الداخلية. حيث صورة خالد سعيد وأسفل منها أبيات من قصيدة أمل دنقل تذكر بثأر خالد المعلق “هل يصير دمي بين عينيك ماء/ هل تنسي ردائي الملطخ بالدماء؟”.