ناتشا أطلس: أغنى لمن يشبهونى

في سبتمبر 2010 جاءت ناتشا أطلس  إلى مصر لاحياء حفل في مسرح الجنينة بدعوى من مؤسسة المورد، كانت الزيارة فرصة للقاء أطلس وإجراء هذا الحوار معاها ومع أعضاء فرقتها

1

يعتبر على من أهم أعضاء فرقة نتاشا أطلس، يعزف بالأساس على الطبلة وأخواتها من رق ودف. في مقر المورد بمنيل الروضة، كانت يدا على تتحرك في كل مكان وهو يحكى عن ذلك الشغف الذي نما في السنوات الأخيرة في كل أوروبا بالطبلة الشرقية. يعدد أسماء المغنين الغربيين الذين عزف الطبلة خلفهم على رأسهم شاكيرا، ستينج. يقاطع أسئلتي “الطبلة بتاعتنا مختلفة عن أى آلة إيقاع أخري، أنا مؤمن بقدرتها على التداخل مع كل الآلات الموسيقية.. أنا ممكن ألعب بيتهوفن بالطبلة”.

يقيم على في لندن منذ سنوات بعيدة، يعمل هناك عازفاً للإيقاع، تنقل بين عشرات الموسيقيين والفنانين حتي أصبح واحداً من الأعضاء الأساسيين في فرقة ناتشا أطلس.

natacha-crown_large (1)
ناتشا أطلس- تصوير : يوسف نبايل

2

قبل الحفل الذي استضافه مسرح الجنينة، تبدو نتاشا متوترة بالعربية المكسرة المميزة لبحة صوتها “يعنى.. خايفة شوية”.

آخر مرة غنت نتاشا في القاهرة كان في احتفاليات الألفية بمصاحبة الفرنسي جان ميشال جار. وقتها ركزت وسائل الإعلام على حضور “ميشال” الذى جاء مصحوباً بدعاية رسمية ضخمة. بالنسبة لنتاشا يبدو الحفل كذكرى مزعجة للغاية على حد تعبيرها، كان هناك الكثير من الضجيج والازدحام.

عشر سنوات طافت فيهم نتاشا عشرات العواصم الأوروبية والغربية، لتعود مرة ثانية إلى القاهرة ومصر التى طالما غنت لها.

القاهرة هى العاصمة التى شهدت تبلور مشروع نتاشا حيث أقامت بها بشكل منتظم في نهاية التسعينات، كانت هذا الفترة “زهرة أيامى” على حد تعبيرها في واحدة من أغانيها.

ولدت ناتشا في 20 مارس 1969 ببلجيكيا لأب مغربي وأم إنجليزية، حيث نشأت في ضواحى مدينة بروكسل المحتشدة بالمهاجرين العرب والمغاربة من كل الجنسيات، وفي سن الرابعة والعشرين بدأت أولى خطواتها في المجال الفنى كراقصة شرقية ومغنية في ذات الوقت، لتنقل بعد ذلك إلى القاهرة في محاولة للتعرف أكثر على جذورها الثقافية، بحثاً عن صور جديدة لهويتها المختلطة العابرة للحدود.

حينما جاءت نتاشا للمرة الأولى إلى القاهرة كان كل ما يشغل بالها هو عالم الموسيقي الإلكترونية، تحديداً الموسيقي الإلكترونية البديلة التى لا تكتفي بأن تكون مجرد خلفية لبعث حماسة الرقص في النوادي الليلية، في القاهرة التقت نتاشا بميكا ثابت الذي كان يعمل ببطء على بلورة مشروع موسيقي إلكترونية بنكهة مصرية، ليتعاون الاثنان في إنتاج وتوزيع واحد من أنجح ألبومات ناتشا “عيشتنى”.

كان الألبوم تجربة جديدة من نوعها، عمل الاثنان على دمج الموسيقي الشعبية المصرية مع الموسيقي الإلكترونية الحديثة، مستوى الموسيقي التى تم تقديمها في الألبوم جذب آلاف المعجبين من جميع أنحاء العالم حتى وإن وقفت الكلمات العربية حائلاً أمام استيعابهم. الكلمات كلها كانت تحمل رائحة أغانى الريف أو الحواري المصرية، الأمر الذي أضفي بعداً جديداً على علاقة نتاشا بالتراث وبالهوية التى تراها تجسيداً لما هو “الآن” لا لما مضي.

في بداية الألفية تغادر نتاشا القاهرة لتعود إلى أوروبا متنقلة بين انجلترا وفرنسا. ميكا ثابت يصدر أغنيته ذائعة الصيت “عادى في المعادى” ويصبح بعد مشاركته في فيلم “الساحر” مع رضوان الكاشف نجماً بين يوم وليلة، لكنه مثل نتاشا لا يستطيع التكيف مع النجومية، فيختفي ثانية. بينما تبحث نتاشا عن مغامرات وتجارب جديدة لإثراء مشروعها الموسيقي. في لندن تلتقي بعازف الكمان المصري سامى بشاى. هذه المرة تتحول تجربة ناتشا إلى البحث عن مناطق القوة والجاذبية في الأعمال الموسيقية العربية الكلاسيكية تحديداً ألحان الأخوان الرحبانى ومحمد عبد الوهاب.

3

لضيق الوقت نظم المورد الثقافي قبل الحفل مؤتمراً صحفياً مصغراً لناتشا حضره صحفيان أحمد رمضان (سورى الجنسية) النسخة الإنجليزية من المصري اليوم. ساره (أمريكية الجنسية) جريدة “الديلي نيوز الإنجليزية”. غياب الصحفيين المصريين والجرائد العربية يحمل دلالة، تهز نتاشا كتفيها مبتسمة “لست نانسي عجرم ولا أرغب أن أكون نانسي عجرم”.

P1100087
ناتشا في حفلة مسرح الجنينة 2010

نتاشا التي حضرت المؤتمر بمصاحبة فرقتها التى تضم ستة عازفين، ورغم مشوارها الطويل ليست اسما مطروحاً بقوة على الساحة الموسيقية المصرية، ونفس الأمر في أوروبا والسبب كما توضحه “الموسيقي في العالم مصنفة ومحددة وخاضعة بقوة لسيطرة شركات كبري تتحكم في الإنتاج الموسيقي، وإذا لم تقدم موسيقي مثل الموجودة في السوق وما يطلبه المنتجون فسوف يضعونك خارج السوق”

لكن مع ذلك لا تبدو منزعجة من هذا الوضع “منذ البداية أردت فقط أن أقدم موسيقي للناس الذين يشبهوننى، وأنا أقدم نفسي للأوربيين بشكل مختلف عن الصورة النمطية لما هو شرقي”

4

طوال المؤتمر يلعب على في تليفونه، يدلك عضلات وجهه، يطرقع أصابعه. باختصار كان واضحاً أنه يشعر بالملل من كم الأسئلة والكلام والتنظير طوال الجلسة. يبدأ حديثه معى بعد المؤتمر “والله يا عم أنا غلبان جداً”.

المسألة بالنسبة لعلى بسيطة جداً. جميع الناس تحب أن تكون سعيدة، تحب أن تفرح، الناس يحبون “الفرفشة”. هنا في مصر يحبون الطبلة ويرقصون عليها، وهناك يحبون الطبلة ويرقصون عليها، بالطبع يمكن أن نصنع الكثير بالموسيقي على شرط أن تكون موسيقي جيدة.

تحكى لى نتاشا أنه بعد انتهاء واحدة من حفلاتها في فنلندا تقدم منها رجل ثلاثينى أشقر بعيون زرقاء، وأخذ يحدثها بلغة عربية أفضل منها. الرجل ببساطة استمع لأغانى نتاشا منذ بضعة سنوات وعلى حد تعبيره لم يستطيع نسيان الموسيقي ولا إيقاع الكلمات فانفق أربع سنوات عمره لدراسة اللغة العربية.

5

“الإيمان ليس نتيجة التفكير، وإنما يأتى من المعرفة المباشرة” تأتى الجملة السابقة في واحدة من أغانى نتاشا القديمة، وحتي الآن ما تزال تبحث عن المعرفة المباشرة، الرحلة هى مزيد من التجارب والأسئلة من إيقاعات الموسيقي الشعبية التي التقطها من شوارع وحواري القاهرة في التسعينات إلى تنويعات ألحان وأغانى الاخوان الرحبانى وعبد الحليم حافظ في ألبومها الأخير (أنا هنا 2008) وحتى ألبومها الجديد الذي يتوقع صدوره الشهر القادم تحت عنوان “منقلبة”.

شهاب فخري مؤرخ الصرف الصحى: ‏ثورة عرابي كانت ثورة البرجوازية المصرية

الطريق الذي قطعه شهاب فخرى من الفلسفة إلى تاريخ المجارى والصرف الصحى بالقاهرة كما يحب أن يقدم نفسه، حكاية مشوقة لا بسبب طبيعة الموضوعات البحثية والأكاديمية التي عمل عليها، بل أيضاً تكشف وتوضح لنا كيف تعمل المؤسسات الأكاديمية من الداخل سواء في مصر أو الولايات المتحدة، وهى طريقة تطرح الكثير من التساؤلات حول الحرية الأكاديمية وطبيعة الدور المطلوب من الجامعات اتجاه المجتمع.

في عامه الثانى بالجامعة الأمريكية حدثت سلسلة من الحوادث التي تمس الحرية الأكاديمية كان شهاب فخرى طالب الفلسفة في 1998/1999 شاهداً عليه. الأزمة تخص د.سامية محرز أستاذة الأدب لكن لا يذكر شهاب بدقة الآن هل كان الأمر يتعلق برواية الهجرة إلى الشمال للطيب صالح أم الخبز الحافي لمحمد شكرى، لكن الأمر نتج عنه منع تدريس الرواية واختفائها من مكتبة الجامعة. في ذات الوقت شهد شهاب كيف تم التضييق على أستاذ فرنسي حتى غادر الجامعة بسبب إصراره على تدريس كتاب “محمد” لماكسيم ردنسون.

كان شهاب في أبرز الجامعات المصرية وقتها، لكن بدا أنه حتى داخل الحصن الأكاديمى الأمريكي لا مهرب من تدخلات الرقابة، والسعي الدؤوب للسلطة للمراقبة والسيطرة على البحث الأكاديمي فاختار السفر إلى أمريكا حيث أكمل دراسته في مجال الفلسفة في جامعة “بنسلفانيا”

تخرج شهاب من جامعة بنسلفانيا في 2002، واتجه بعد ذلك لجامعة “The New School for Social Research” وهى جامعة برز اسمها بقوة في منتصف القرن العشرين، حينما انتقل معظم الفلاسفة والمفكرين اليهود الذين تعرضوا للاضطهاد من أوروبا للتدريس فيها وأبرزهم شتراوس وحنا أرندت. الحصول على درجة الماجستير هناك يتطلب الاختيار بين مسارين أما العمل على تحضير مقال في موضوع محدد لا يتجاوز الـ60 صفحة على العكس المتبع في الجامعات المصرية حيث تكون المطلوب ضعف هذا الرقم. أو القراءة في موضوع محدد اختار وقتها شهاب الفترة من ديكارت لروسو ودخول اختبار متعدد الأسئلة والمراحل وهو ما اختاره شهاب. بعد ذلك أتت مرحلة الدكتوراة وقتها تنازعت فكرتين شهاب الأولى محاولة لطرح وجهة نظر هيجيلية في النقاش بين أفكار شتراوس وفوكو، والثانية هو التأثير الفلسفي للعلماء العرب في مجال العلوم الطبيعية خصوصاً الفيزياء.\

1973788_10155061954350463_932776435145814293_o.jpg
شهاب فخري بعدسة تراكوفيسكى

***

وجد شهاب دفعاً من أساتذة الجامعة لموضوع العلماء العرب. كانت هذه سنوات الأسئلة “2004/2005” وكان هناك تحول نوعى يحدث في الأكاديمية الغريبة يوضحه شهاب قائلاً:

-كانت هذه فترة ما بعد غزو العراق وفي أمريكا وأوروبا أصبح هناك اهتمام متزايد وجهات مختلفة لديها طلب بأى دراسات أو تخصصات لها علاقة بالمنطقة العربية والشرق الأوسط، أذكر في هذه الفترة أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية للمرة الأولى عن حاجاتها لخريجى “أنثروبولوجيا” للعمل في الوزارة وبمرتبات ضخمة.

الأمريكان كانوا يتورطون أكثر فأكثر في المنطقة بسبب الحرب وكان لديهم الكثير من الأسئلة. أيضاً في ذات الفترة تزايد نفوذ رأس المال العربي وتحديداً الخليجي في الجامعات الغربية وتمويل أقسام كاملة. لكن كانت العقبة في استفادة الإدارة الأمريكية من خريجى أقسام الشرق الأوسط أنه منذ السبعينات ومع ظهور أفكار إدوارد سعيد ترسخت تقاليد يسارية في أقسام الشرق الأوسط، لم يكن هناك تماشي بين توجهات الإدارة والمناخ العام في الأكاديمية الأمريكية وخصوصاً أقسام دراسات الشرق الأوسط، الطلبة الذين كانوا يدرسون اللغة العربية أو المجتمعات العربية من أجل الالتحاق بالإدارة الحكومية كانوا يتعرضون للنبذ داخل الكليات على سبيل المثال.

-كيف أثر كل هذا المناخ على اختياراتك؟

 كنت منحازاً للعمل على مشروع يتتبع الجدل بين “شتراوس وفوكو” لكن من وجهة نظر هيجلية بعض الشيء. لكن بسبب كونى عربياً، فقد وجدت دفعاً من قبل الأساتذة للعمل على موضوع العلماء العرب. ونتيجة لهذا فقدت اهتمامي باستكمال العمل على الفلسفة، وانتقلت إلى جامعة كولومبيا للتخصص في مجال آخر وهو التاريخ.

اهتممت منذ البداية بفترة الاحتلال البريطاني لمصر، وكان هذا غريباً فبينما نجد عدد كبير من الدراسات التاريخية حول فترة محمد على وحول التاريخ المصري بعد ثورة 1919، لكن الفترة التي تمثل المرحلة الأولى من الاحتلال البريطاني (1883-1920) أقل فترة نجد أن الدراسات التاريخية تناولتها وكانت هذه الفترة هي مجال اهتمامى الأول، ليس بسبب قلة الدراسات التي تناولتها، بل أيضاً بسبب كونها الفترة التي شهدت تشكل الأفكار الكبرى، بداية من الثورات العلمية وحتى الأفكار السياسية والاجتماعية.

-بماذا اخترت أن تبدأ إذن عن تلك الفترة؟

البداية كانت من الثورة العرابية، كانت موضوع رسالة الماجستير وحاولت فيه التركيز على الرواية الإنجليزية والأسباب التي دفعتهم للإقدام على خطوة التدخل في مصر واحتلالها.

الثورة العرابية كانت مسألة داخلية بامتياز. كان هناك خلاف بين الخديوى ومجلس النواب يتعلق بضرائب فرضها الخديوى على كبار ملاك الأراضي الزراعية، وهذا لأن مصر كانت واقعة تحت ضغط الدين الخارجي وكان الخديوى يحتاج لتسديد تلك الديون. أيضاً كانت الدولة المصرية مقسمة عرقيا، يسيطر على المناصب العليا فيها الطوائف العثمانية المختلفة.

 صحيح أن عرابي في لحظة انفعال هدد بإغلاق قناة السويس لكن لم يكن هذا ما استفز الانجليزى ودفعهم للتدخل، بل ببساطة لأن الانجليز ظنوا أن ثورة عرابي إذا نجحت وأصبح هناك مجلس نواب منتخب ذو سلطة تشريعية فلن تدفع مصر الضرائب المدينة بها للشركات والبنوك الإنجليزية. طبعاً إلى جانب التخوف الإنجليزي من تدخل الفرنسيين ودخولهم قبلهم إلى مصر.

الغريب في المقابل أن الرواية المصرية تكسب الثورة العرابية طابع مغاير بتصويرها ثورة من أجل الحرية أو صعود القومية، وهذا كلام بعيد تماماً عن الحقيقة الفلاحون على سبيل المثال مشاركتهم في الثورة لم تكن موجودة أو منظمة بل وللدقة لم تكن أوضاع الفلاحين لتتأثر بالخلاف بين الخديوى ومجلس النواب ولا حتى بالضرائب التي سعى لفرضها على ملاك الأراضي. ثورة عرابي كانت ثورة البرجوازية المصرية، وحاولت اكسابها أبعاداً أسطورياً. حكاية موقف عرابي حينما وقف أمام الخديوى وقال له خلقنا الله أحراراً ولن نستبعد بعد اليوم. هذه حكاية لم أعثر على أي مصدر لها إلا لدى الرافعى، وحتى الرافعى يرويها دون أي مصدر.

-في الماجستير وحتى في رسالة الدكتوراه التي تعمل عليها الآن تقدم رواية أن الانجليز كانوا الأكثر اهتماما بالفلاحين، كيف يستقيم هذا مع كونهم قوة احتلال ومشروع استعماري؟

-اللورد كرومر قالها صراحة في أكثر من موضع في خطابته وهو أنه يبنى نظام قائم على رضا الفلاحين وملاك الأراضي. لذلك كان من أول القرارات التي اتخذها الانجليز حينما دخلوا إلى مصر أنهم وضعوا ضريبة ثابتة للأراضي بل وثبتوا هذه الضريبة لمدة ثلاثين عاماً.

إنجلترا كانت تنظر لمصر باعتبارها المعبر لمستعمرتها الأساسية في الهند، وإضافة زراعية لعائدتها لا أكثر من ذلك. لذلك فاهتمام الانجليز بالمدينة جاء في فترة متأخرة وبسبب ضغوط من الرأي العام البريطاني والأوروبي. بعد عام من دخول الانجليز لمصر ظهر وباء للكوليرا قضي على ثلاثة آلاف مواطن في القاهرة في ثلاث أسابيع. وكانت أمراض كالتيفود والكوليرا تظهر في دورات مستمرة وتحديداً في القاهرة التي كانت تحتاج إلى إعادة تخطيط وبناء، لأن الوضع الصحى بالقاهرة كان متدهوراً للغاية.

 طالب الرأي العام الانجليز بالتدخل لإنقاذ الوضع لكن هذا الأمر تأخر كثيراً. لاحظ أيضاً أن مشاريع كالصرف الصحى هي مشاريع مكلفة جداً، وليس لديها عائد استثمارى. تكلفة انشاء شبكة الصرف الصحى في القاهرة تقارب تكلفة انشاء سد أسوان وقتها، لكن بينما ينتج مشروع السد عوائد اقتصادية ويكون له آثار إيجابية على توسيع الرقعة الزراعية، فشبكة الصرف الصحى لا يوجد هناك اقتصادى يمكن قياسه سينتج عنها.

إذا نظرت في تاريخ الفترة من (1882-1990) ستجد أن معظم الأموال التي ضخها الانجليز في مصر كانت موجهه نحو الإصلاح الزراعى من شق الترع والمصارف إلى القناطر وبناء سد أسوان، لكن مع ازدياد المشكلة الصحية في المدن خصوصاً القاهرة، فقد فرض الظرف عليهم التدخل في تخطيط المدينة.

-كيف جرت عملية إعادة تخطيط القاهرة لإنشاء شبكة الصرف الصحى إذن في هذه المرحلة؟

استعان الانجليز بمهندس مدنى بريطاني هو جيمس كاريكت، كان قد صمم شبكة الصرف الصحى في بمومبي بالهند، تتبعت أرشيف “كاريكت” الموجود في مصدرين الأول هو  مجلة “معهد المهندسين المدنيين” في إنجلترا، ووجدت لديهم خرائط تفصيلية للقاهرة ودراسات ومقالات عن شبكات الصرف الصحي وكيفية القيام بعملية التخطيط للمشروع.

وصل “كاريكت” إلى مصر بعد ثالث وباء للكوليرا أصاب القاهرة عام 1905، واستغرقت المرحلة الأولى من رسم للخرائط ودراسة للمدينة ما يقرب الخمس سنوات. ما نقصده بالخرائط هنا ليس فقط خرائط للشوارع وأزقة المدينة. بل خرائط اجتماعية توضح توزيع الجغرافيا البشرية في المدينة ومستوياتها الاجتماعية. كان يجب على “كاريكت” أن يحدد المستوى الاجتماعى لكل منطقة في المدينة لأنه على هذا الأساس يتم تصميم الشبكة وحجم ومقاسات المواسير. فالمناطق الغنية والبرجوازية تستهلك الكثير من المياة وهذا يعنى حاجاتهم إلى شبكة صرف أوسع من تلك الموجودة في المناطق الفقيرة.

الخطأ الذي وقع فيه “كاريكت” أنه تعامل مع المدينة بشكل “استاتيكى” كأنها ديمغرافي بشرية ساكنة. “كاريكت” كان يضع تصميم لشبكة صرف صحى من المفترض أن تستمر لمدة 25 عاماً. هو وضع تخطيطاً يتضمن حسابات الزيادة السكانية لكنه لم يضع اعتبار تغير الجغرافيا الاجتماعية المدينة.

***

-لكن هل شهدت هذه الفترة تغيرات اجتماعية جديدة في المدينة تؤثر على تخطيطها؟

بالتأكيد وهذا هو ما أثار الاضطراب لدى الإدارة البريطانية. فكما سبق وذكرنا تعامل الانجليز مع مصر باعتبارها تتكون من فلاحين وملاك أراضي، لكن مع توسع الجهاز الإداري للدولة وتوسع المدينة. ظهرت طبقة جديدة هي طبقة “الأفندية”. كرومر في هذه الفترة لم يكن يعتبر الأفندية مصريين، ويعتبرهم ظاهرة شاذة في المجتمع المصري، لاحظ أيضاً أن هؤلاء الأفندية هما طبقة المتعلمين والمثقفين الذين أخذوا يكتبون المقالات ويهاجمون الاحتلال وكرومر.

ظهور الأفندية غير الكثير من الجغرافيا الاجتماعية للمدينة، بل ربما يكون أحد الأسباب التي من أجلها وبعد سنتين من إتمام المشروع جرت تعديلات كبيرة على الشبكة.

-ماهى المشاكل الآخرى التي واجهت هذا المشروع؟

حينما تم اتخاذ القرار، لم تجر أي مناقصات بل تم تكليف المشروع بالأمر المباشر لشركة انجليزية بعينها، بالتالى المشروع كله كان في مصلحة الإنجليز لذا فقد قابله المصريون بالحذر وأحياناً بالرفض والممانعة.

المشروع تطلب الكثير من أعمال الإزالة، شارع بورسعيد تم تغييره بالكامل. وزارة الأوقاف والمساجد والجوامع رفضوا السماح للانجليز بالدخول إلى الجوامع لعمل المقايسات. وجرى صراع بين الجهتين حيث تمسكت الجوامع بالشكل التقليدي “للميضة” ورفضوا التخلي عنها، بينما أصرت الشركة على هدم الميضة واستبدالها بحمامات عصرية.

الطريف أن أعقد مشكلة واجهت الانجليز عند تنفيذ المشروع كانت إشاعة ليس لها أي مصدر من الصحة شغلت الرأي العام بشكل كبير وصنعت معارضة قوية للمشروع. هي أن الحفر في باطن الأرض سوف يخرج الكوليرا والتيفود المدفون في باطنها، وحينما تعود إلى الجرائد والمجلات في تلك الفترة تجد أراء لكتاب وصحفيين تعارض المشروع على هذا الأساس الأمر الذي كلف الشركة القيام بحملات دعاية ضد هذه الإشاعات والتأكيد على أن الحفر لن يصل لمدى عميق.

تركز دراستك على تاريخ انشاء شبكة الصرف الصحى في القاهرة، لكن ماذا عن بقية المدن الآخرى كالإسكندرية على سبيل المثال كيف جرى الأمر هنا؟

إسكندرية وضع مختلف. الإسكندرية كان لديها مجلس محلى منتخب هو المسئول عن المدينة. لذا فقرار شبكة الصرف الصحى في الإسكندرية خرج من المجلس المحلى وتم تنفيذ المشروع تحت إشراف المجلس المحلى، والمجتمع السكندرى الذي كان فاعلاً في دفع المشروع.

مشروع الإسكندرية كان أفضل كثيراً من مشروع شبكة الصرف الصحى في القاهرة، فبينما احتاجت الأخير إلى إعادة تهيئة وصيانة وتغيرات جذرية بعد سنوات من اتمامها استمر مشروع شبكة الصرف الصحى بالإسكندرية.

-تعمل الآن على الانتهاء من الفصول الأخيرة من الرواية واستكمال الإطلاع على ما ينقصك من أرشيف المشروع، كيف وجدت التعامل مع دار الوثائق؟

في العموم فدار الوثائق مكان منظم جداً في رأى، هناك طبعاً عدد من القوانين واللوائح الداخلية التي تنظم العمل في المكان لا استطيع أن أحدد الغرض منها، لكنها من خلال حبرتى تضع عوائق على البحث التاريخى. على سبيل المثال لا يمكننك تصوير أكثر من مائة ورقة، وهو رقم ضئيل جدا. أحياناً وثيقة واحدة يتجاوز عدد صفحاتها المائة. لا أفهم الغرض من هذا القرار. في الأرشيف البريطاني على سبيل المثال هناك كاميرا موضوعة يمكنك استخدامها لتصوير أي عدد من الصفحات.

هناك قرار آخرى لا أفهم السبب منه الأرشيف المصري مقسم إلى وحدات أرشيفية على ما أذكر يبلغ عددها حوالى أربعين وحدة، لكنك كباحث لا يمكنك الإطلاع على أكثر من 6وحدات في الوقت ذاته، في حين أنها حينما تعمل على موضوع بسيط مثل شبكة الصرف الصحى فسوف تجد ملفات متعلقة في عشرات الوحدات والهيئات الآخرى.

هناك أيضاً المسألة الأمنية. شخصياً لم أطلب ملف أو وثيقة ورفضوا إعطائها لي، لكن أحد زملائنا والذي يعمل على تاريخ شبكات الرى والزراعة حينما قدم طلبه للأمن ترافق هذا مع الضجة الإعلامية حول مشروع النيل، ولسبب ما فقد قام الضابط المكلف برفض تصريحه. موضوع تحميل ضباط من الداخلية مسئولية إعطاء تصاريح الإطلاع على الوثائق أمر في رأى يحتاج إلى المراجعة. أذكر أننى حينما بدأت إجراءات إستخراج التصريح وحتى ابعد نفسي عن أي شبهات كتبت في الورق المقدم كلام من نوعية أن هذا البحث يتتبع تاريخ الوطنية. طبعاً هناك ثغرات كبيرة في الأرشيف المصري أرشيف وزارة الداخلية مثلاً يقل بشكل تدريجى بداية من الثلاثينات حتى يختفي تماماً بعد 1952، أيضاً ملفات وأرشيف وزارة الخارجية من أقل الوحدات الأرشيفية التي يمكن أن تجد فيها أي وثائق.

عزيزى ويل أو القوة من خلال البهجة

عزيزى ويل.. برنس الليالى ورمانة الميزان،

ليلة بعد ليلة تعبر بنا الليالى، أو نعبر نحن بينها. أقول لنفسي مضت الغيوم وشردتنى، ورمت معاطفها الجبال وخبأتني. لكني انظر إلي يداي فأجدهما ليسا من حجر ولا زعتر. وأفتح عينى كل يوم لكنى لا أري أحد. فأقول كما قال الصديق “إنما هى أشياء”.

2012-07-21 13.20.32
تصوير: أحمد ناجى

في الفصل بين الأدب والذهب

عزيز ويل..

كيف هي الأشياء؟

تحياتى وسلاماتى مضمخة بعطر الخزامي، وموسيقي الحياة. أُسَير إليك كتابي هذه لا لأنى منكسر أو معكوس الخاطر، ولا لكى أبث همى وحزنى أو أرثي ذاتى. فمثلي لا يذاع له سر كما علمتنا  كركرات الشيشة في ليالي الصيف الساحرة. بل أنضد هذه الكلمات وكلى أمل أن تصلك وأنت في خير حال وأفضل مزاج، وأتمنى ولا نذكى أحد على الله أن تجد فيها منفعه أو تسلية، وإذا لم تجد فليس للكتابة غرض يا أخى.. فقط أردت أن أكتب فكتبت. أما عن المعني وما ابتغيه من كتابي، فكما تعلم حفظك الله فالمعانِيَ مبسوطةٌ إلى غير غاية وممتدّةٌ إلى غير نهاية وأسماءَ المعاني مقصورةٌ معدودة ومحصَّلةٌ محدودة.

ولذا أبدأ خطابي إليك مذكرك ومذكراً نفسي بكلمات بديع الزمان الهمذانى:

لا قرابة بين الأدب والذهب، فلم جمعت بينهما؟ والأدب لا يمكن ثرده في قصعة، ولا صرفه في ثمن سلعة، وقد جهدت جهدي بالطباخ، أن يطبخ لي من جيمة الشماخ لوناً فلم يفعل ، وبالقصاب، أن يذبح أدب الكتاب فلم يقبل، وأنشدت في الحمام، ديوان أبي تمام، فلم ينجع، ودفعت إلى الحجام، مُقطعات اللجام، فلم يأخذ، واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت، فأنشدت ألفاً ومائتي بيت، من شعر الكميت، فلم يغن، ودفعت أرجوزة العجاج، في توابل السكباج، فلم ينفع، وأنت لم تقنع، فما أصنع؟

أحب الغلط

عزيزى ويل،

 فلقد استقر بنا الحال في مدينة الجبال السبعة كما عرفها القدماء من أهلها. ووجدنا في أهلها الكثير من كرم الضيافة والجود وحب الكلاب. وقضينا فيها أيام وليالى نتفرج على عجائب متاحفها ونستمع إلي حكايات فتيانها وفتياتها. أما ما تبقي من وقت فنزجيه في مطالعة آداب أهل “الدويتش لاند” وقراءة ما سبق من كتابات الأوليين. حتي عثرت على كتاب حسن السندوبي “أدب الجاحظ” ومنه غطست في كتاب “البيان والتبيين” لأبو عثمان عمرو بن بحر  الكناني البصري، فغرقت وما عرفت أن البحر عميق لهذه الدرجة. وكلما قطعت شوطاً مع الجاحظ غرقت أكثر كما عبد الحليم في قصيدة لنزار. ولقد ركبنى الهم كلما استزدت من الجاحظ. وتعجبت كيف فات على جمهورنا الكثير من نصائح وتجارب الأوليين وكيف ينسي بعضنا نصيحة الجاحظ حينما قال “تعلموا اللحن كما تعلمون السنن والفرائض.”

في المثقف ودوره في زمن الفتنة

عزيزى ويل،

أذكرك وأذكر نفسي ولا نذكى على الله أحد بنصيحة الجاحظ التى نقلها عن مولانا على بن أبي طالب حينما قال: كن في الفتنة كابن لبون لا ظهر فيركب ولا لبن فيُحلب.

ولذا فنحن لا تفتنا كل هذه الأخبار والأحداث من قوائم وانتخابات وتسجيل في السفارات وأحكام ومحكمات إنما هى أشياء سميتموها.

في إن الفرج يأتى من حيث لا تحتسب

عزيز ويل برنس الليالى ورمانة الميزان،

فلما دخل علينا شهر “نوفمبر” ضاق صدري بالسماء الرمادية، وأصابنى ما يصيب أهل هذه البلاد في هذا الشهر من غم وضيق حتي أن حوادث الانتحار ورمى الجتت على قضبان القطارات تتحول في هذا الشهر إلي رياضية قومية.

ونازعتنى نفسي إلي السفر والترحال لزيارة الخلان والإخوان. فأعددت العدة واشتريت زجاجة المياة المعدنية ووضعتها في الحقيبة مع رواية الألمانى  نوربرت غشتراين “حرفة القتل” وشددت الرحال إلي مدينة باريس. عل وعسي أن يشتفي الفؤاد.

خرجت صباحاً وقد تلفعت بالكوفية وتدثرت بطبقات الأقمشة. وكنت قد اتفقت مع شخص لا أعرفه أن يقلني بالسيارة إلي باريس، فلما قابلته وجدت السيارة بيضاء اللون كبيرة الحجم ركبتها مع سبعة من أصول أفريقية تتنوع بين الكاميرون وتنزانيا.

انطلقت بنا السيارة، ومعها من السماعات خرجت الموسيقي الشعبية من الكاميرون. بين الغابات قطعنا الكيلومترات. وخلفي فتى يحتضن فتاته الناعسة ويدندن معها بالأغانى الكاميرونية. كان للموسيقي طلاوة وصوت الفتى والفتاة خلفي فيه حلاوة. ثم على حين غيرة ظهرت من الفراغ سيارة شرطة فرنسية، أشارت لنا بالتوقف فتوقفنا، أتى الضابط وطلب الأوراق. وكانت المفاجأة أن قائد السيارة لم يكن معه رخصة قيادة. فخاطبت نفسي “كأنك يا أبا زيد ما غزيت”. لكن الكاميرونى نزل من السيارة وتوجه للشرطى وزميله وأخذ يتباحث معهم لدقائق. ثم عاد وخاطبنا بخليط بين الألمانية، والفرنسية، والانجليزية “هل مع أحدكم رخصة قيادة؟”

فقالت الفتاة الناعسة “وى مسيو.. ” فأخذ الفتاة ورخصتها للضابط ثم عاد الاثنان وأكملنا رحلتنا كأن شيئاً لم يكن وهكذا هى الأشياء لا ضائقة بدون مخرج، ولا حلقة بدون ثغرة فتذكروا يا أولى الألباب.

diana-sleep-in-the-woods-1933.jpg!Blog
Giorgio de Chirico 1933

في المثقف ومسألة الهوية

عزيزى ويل،

 أما بعدُ فإنّه لا يُخبرِ عن فَضْل المرء أصدَقُ مِن ترَكِه تزكيةَ نفْسه ولا يعبِّر عنه في تزكيةِ أصحابه أصدَقُ من اعتماده إيَّاهم برغبته وائتمانِه إيّاهم على حرمته. وأعرف بشر عرفونى لأ. لأ معرفونيش. قابلونى وقبلتوهم وفي قول آخر يضربه “اللحن” جابلونى وجابلتوهم.

وقد وردنا في الذكر عن الجاحظ:

“إنّما يمتنع البالغ مِن المعارف مِن قِبَل أُمورٍ تَعرِض من الحوادث وأُمورٍ في أصل تركيب الغريزة فإذا كفَاهم اللّهُ تلك الآفاتِ وحصّنَهم من تلك الموانع ووفَّر عليهم الذّكاءَ وجلَبَ إليهم جياد الخواطر وصَرَف أوهامَهم إلى التعرُّف وحبَّب إليهم التبيُّن وقعت المعرفةُ وتمَّت النّعمة والموانع قد تكون من قَبِل الأخلاط الأربعة على قدر القِلَّةِ والكثرة والكثافة والرِّقّة. ومن ذلك ما يكون من جهة سُوء العادة، وإهمالِ النَّفْس فعندها يستوحِش من الفكرة، ويَستثقِل النَّظَر ومن ذلك ما يكون من الشَّواغل العارضة والقُوى المتقسَّمة.

 ومن ذلك ما يكون من خُرْق المعلِّم وقلَّة رفق المؤدِّب وسُوء صَبر المثقِّف فإذا صفَّى اللَّهُ ذِهنَه ونقّحَه وهذّبَه وثقَّفَه وفرّغ بالَه وكفَاه انتظارَ الخواطر وكان هو المفيدَ له والقائم عليه والمريدَ لهدايته لم يلبث أن يعلم وهذا صحيحٌ في الأوهام غيرُ مدفوعٍ في العقول وقد جَعَل اللَّهُ الخَالَ أباً.

 وقالوا‏:‏ الناس بأزمانهم أشبهُ منهم بآبائهم وقد رأينا اختلاف صُوَر الحيوان على قدر اختلاف طبائع الأمكان وعلى قَدْر ذلك شاهدنا اللُّغاتِ والأخلاقَ والشهوات ولذلك قالوا‏:‏ فلانٌ ابنُ بَجْدَتها وفلانٌ بيضَةُ البَلد يقَعُ ذَمّاً ويقع حمداً ويقولون‏:‏ ما أشبَهَ الليلةَ بالبارحة”

كغفت ديوغش فريودا

وفي السفر يا ويل الكثير من الفوائد والمنافع ذكرها وفصلها الأولين. وراجع زوزو وهى تطرح السؤال: قول لى يا هذا لماذا أخذنا إجازة؟

وقديماً كان النازيون يقولون Kraft durch Freude، أو القوة من خلال البهجة. فلأجل إذابة الفوارق بين الطبقات الاجتماعية وتشجيع السياحة داخل الأراضي الألمانية. وخلق المواطن النازى الأصيل كانت منظمة “كغفت ديوغش فريودا” تقوم بتنظيم رحلات للمواطنين هدفها صناعة الفرد القوى. والمؤمن القوى خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف. ولأن البهجة من منافع السفر فحتى البهجة يجعلها الفاشست والنازيون جسر للقوة. لا أحد من هؤلاء يقول أن البهجة أو السعادة هدفاً لبرنامجه الإنتخابي. بل جميعهم يريدون العزة، والقوة، فوق الجميع، فوق القمة.

الموسيقي: حصار في المسرح وهروب للانترنت

نشرت في مجلة هيابتيا 2014

نانسى منير موسيقية وعازفة من أبرز أعمالها مؤخراً توزيعها لأغاني ألبوم دينا الوديدى الأخير “تدور وترجع”. إلي جانب ذلك فالوجه الخفي لنانسي هو عضويتها لفريق “ماسكار” ثلاث فتيات يغنين موسيقي الروك والميتال بالعربية والانجليزية من خلف أقنعة لا تظهر وجوههن ظهرن مرة واحدة في فيلم “ميكرفون” للمخرج أحمد عبد الله.

أحيي ويحيي فريق ماسكار عشرات الحفلات في الخارج، ومن الغريب أن هذا الفريق يحظى بتقدير على المستوى الأوروبي والخارجي بينما هنا لا يعرفه أحد. والسبب أنهم لا يجدون مكاناً يمكنهم تقديم موسيقاهم فيه.

في كل مرة يكون عضوات الفريق على وشك الاتفاق مع مكان لإحياء حفل لهم، يسألهم السؤال الذي يصيبهم بالاختناق والضيق :”هتغنوا ميتال؟”. حالياً لا يغنى عضوات الفريق الكثير من أغانى الميتال، لكن مجرد ظهور السؤال يجعلهن ينسحبون لأنهن يشعرن بالضغط الثقيل لتلك الرقابة الجاهلة.

بعد ثورتين وربما انقلابين، فموسيقي الميتال تظل هي الموسيقي الملعونة المنبوذة من المشهد المصري. في منتصف التسعينات تم إلقاء القبض على مجموعة من الشباب من محبي الاستماع لموسيقي الميتال واستغلت القضية إعلامياً تحت عنوان “عبدة الشيطان”. تم تسليط الضوء على ملابس الشباب وقصات شعرهم، والغموض واللون الأسود المميز لثقافة وموسيقي الميتال لرسم صورة شيطانية للشباب، والتنكيل والتشهير بهم، ثم تم نبذ موسيقي الميتال. وطوال هذه السنوات حتي الآن لم تظهر تلك الموسيقي وفرقها على أي من مسارح الدولة، وفي كل مرة يتم تقديمها على أحد المسارح الخاصة تتم مراجعة فقرات الحفل وكلمات الأغانى من قبل المنظمين وهناك تحذيرات وتوجيهات لرفض أغانى معينة، بل يصل الأمر إلي مطالبة بعض الفرق بعدم استخدام بعد التكنيكات الموسيقية والصوتية كالعواء أثناء الغناء أو طبقات الصوت الوحشية.

مؤخراً في حديث مع نانسي أخبرتني أنهن يفكرن في حفلة أونلاين، سيجتمع الثلاثة في أحد منازلهن، يفتحن كاميرا الكمبيوتر وفي بث حي على الانترنت سيقدمن الحفلة التي طالما تمنين تقديمها للجمهور في مصر.

نحن نحاصر أكثر فأكثر، والعالم الافتراضي أصبح هو العالم الواقعي، حتي الحفلات في هذا الوادي الضيق والبلاد المختطفة لم يعد من مكان لها إلا الانترنت، نخسر الأراض يوماً بعد يوم لأسباب متعددة لا تتعلق فقط بالسلطة العسكرية بل تتداخل معها أسباب أخري متنوعة.

***

تهتم الحكومة مؤخراً بمكافحة التحرش بسبب توجيهات المشير السيسي غالباً، أو بسبب أن الأمر تحول لشهرة عالمية ترتبط باسم مصر. المهم أن كل أسبوع هناك مهرجانات واحتفالات ومارثون بالدراجات تحت العنوان السابق. أحد هذه المظاهر الدعائية مهرجان موسيقي ضد التحرش أعلنت دار الأوبرا عن استضافته في مسارحها.

كان من المقرر أن يجمع المهرجان بين عدد من فرق الموسيقي البديلة منهم مسار إجباري وفرق شبابية آخري، إلي جانب حضور خاص للسادات، وعمرو حاحا. في سابقة تعد الأولي من نوعها لدخول موسيقي المهرجانات لحرم دار الأوبرا. لكن مع الإعلان عن التظاهرة بدأ جمهور الأوبرا وجمهور الفرق الأخرى في إبداء اعتراضهم على مشاركة السادات وحاحا. والسبب لأنهم يرون أن موسيقي الفرق المستقلة تقدم فن هادف قيم، بينما المهرجان ابتذال للموسيقي والفن. طالت التعليقات موسيقي المهرجانات وجمهورها أيضاً واحتوت على إشارات تحقيريه وطبقية حول كيف أن جمهور موسيقي المهرجان غير مؤهل لدخول الأوبرا.

لكن السادات ومجموعته كان ردهم في بيان منشور على صفحتهم، بأنهم يعتذرون عن الغناء في الأوبرا أو في تلك الأماكن حتي لا يضايقوا أحد.

***

سواء كنت مغنى مهرجانات، أو مغني ميتال فالبحث عن مسرح أو فضاء للغناء يظل عملية تطلب الكثير من الصراعات، والحيل والتنازلات كل هذا من أجل رفع الصوت بالموسيقي.

يحتاج المغني في مصر أولاً إلي ترتيب أمورها مع نقابة الفنون الموسيقية. وهذا الترتيب يأتي من خلال أما أن يكون عضواً، وأما أن يكون لديه وسيلة لرشوة مسئولي النقابة الذي يزورون الأماكن الثقافية والمسرحية ويفرضون على شباب الموسيقيين والمغنيين الذي أحياناً ما يقدمون تجاربهم الأولي “أتاوات” ليسمحوا لهم بالعزف والغناء. الحصول على عضوية النقابة مسألة معقدة أيضاً فهناك ثلاثتصنيفات أما أن تغني بالعربي الشرقي أو الغناء الأجنبي، أو “مونولوجست” ويخضع المتقدم لعضوية النقابة لتحديد وتصنيف ما يقدمه تحت تصنيف من الثلاثة. لكن ولا تصنيف من هذه التصنيفات يشمل الراب أو الموسيقي الإلكترونية. تعيش النقابة في زمن الديناصورات ويعيش المغنيون في زمن المستقبل. وفي الفجوة الزمنية بين الاثنين يقع الجمهور الذي يبحث عن مكان له يستمع فيها لما يفضله ما يطربه وما يحركه. لكنه يجد المسارح والفضاءات الثقافية التي بنيت بأمواله ليست ملكه أبداً.

مسارح الدولة وقاعاته لا يوجد قوانين ولوائح ثابتة تديرها، كمان أنه يتم تخصيصها بشكل تلقائي للفرق التابعة لوزارة الثقافة والدولة. وتلك الفرق بدورها فمفروض عليها أن تقدم وتعكس ما تفهمه الدولة عن الموسيقي والعروض الفنية. والنتيجة نشهدها في مسارح الدولة المختلفة حيث عشرات الفرق كل مهمتها إعادة تقديم وغناء أغانى أم كلثوم تحت دعوى أن هذه هي الموسيقي العربية. أو ارتداء ملابس ذات طابع فلكلوري وتقديم العروض التي تكرر تقديم الصور النمطية حول الهوية والوطن وتاريخه.

المسارح الخاصة والأماكن الثقافية الأخيرة تتم معاملتها معاملها الكباريهات والأماكن الترفيهيه وخلال العقد الأخير أغلقت عشرات المسارح الخاصة بسبب زيادة الضرائب المفروضة عليها. أما المسارح الأخرى ذات الطبع الثقافي فلديها قائمة طويلة من المحاذير والتوجيهات المفروضة عليها. مسارح الساقية على سبيل المثال هناك قطاع كامل من الفنانين ممنوع من الغناء عليه. وقبل صعود أي فنان إلي المسرح تعرض عليه قائمة بالممنوعات والمحاذير التي تشمل الغناء السياسي، والألفاظ التي يصنفونها كألفاظ خارجة. بل والأغرب يفرضون غرامات على الفنانين في حالة استخدامهم لبعض الكلمات. مغنى الراب “ام.سي. أمين” على سبيل المثال تعرض ذات مرة لخصم جزء من أجرها نتيجة أن جمهور الحفلة كان يردد كلمة “أحه” كجزء من أحدى أغنياته.

وسط هذه تخسر الموسيقي والغناء المصرية مساحات من أرض الواقع، تنسحب الموسيقي الحياة إلي واقع افتراضي على الانترنت. ربما لهذا تنمو مؤخراً الموسيقي الالكترونية على مستويات وتجارب متعددة بداية من فنانى المهرجانات وحتي توجه الكثير من المغنيين الشباب إلي الموسيقي الالكترونية حيث تختفي المساحات من أرض الواقع وتتم مصادرتها ولا يبقي غير ضجيج الذبذبات الإلكترونية

إسقاط تهمة خدش الحياء وإعادة المحاكمة في قضية #محاكمة_الخيال

صباح الخير وورد الوردوش على الجميع،

أصدرت محكمة النقض اليوم حكمها اليوم حيث قبلت الطعن شكلاً وموضوعاً. وبالتالى أسقطت حكم محكمة الاستئناف الذي قضي بمعاقبتى بالسجن عامين بتهمة خدش الحياء العام. وبذلك أصبح ذلك الحكم لاغياً وسقطت عنى جميع التهم. كما قضت محكمة النقض بإعادة المحاكمة أمام دائرة أخري، لنبدأ جولة أخري من التحقيقات والمحاكمات التي بدأت في 2014.

حكم اليوم هو انتصار صغير لكل المؤمنين بحرية الرأى والتعبير، يأتى في ظروف وأوقات عصيبة ليسمح لنا بالتقاط النفس، شهيق وزفير عميق وربما احتفال صغير بما حققتموه أنتم.

أدين بهذا الانتصار الصغير لكل شخص شارك في حملة #ضد_محاكمة_الخيال بأى جهد ممكن، سواء كان ضغطة زر على الكمبيوتر أو الموبيل، أو كتابة أو دعم أو صور أو فيديو. ولأخوة الأدب والمؤمنين بحرية الخيال، وحق التجربة والخطأ. وإلى جانب الأفراد فهناك منظمات المجتمع المدنى المصرية التي تكافح للبقاء والدفاع عن حقوقنا الدستورية والإنسانية، بداية من المبادرة المصرية، نقابة الصحفيين، واتحاد الكتاب. ولمنظمات الأدب والمجتمع المدنى التي دعمتنا بمقدار ما تستطيع وعلى رأسها نادى القلم الدولى، ونادى القلم الأمريكى والبريطانى. الشكر دائماً موصول لفريق الدفاع الذين تطوعوا بوقتهم وجهدهم للعمل على هذه القضية الطويلة والمليئة بالمفاجآت غير المتوقعة، وغير السعيدة أحياناً. الأساتذة ناصر أمين، نجاد البرعى، خالد على، ياسمين حسام الدين، محمد عيسي، والعزيز محمود عثمان وفريق عمل “افتى”.

ننتظر صدور حيثيات حكم محكمة النقض، والتى تظل الملجأ الأخير المتاح أمام كل المظلومين، والرقيب على التزام الأحكام القضائية بصحيح الدستور والقانون.

WhatsApp Image 2017-05-21 at 16.21.25
الصورة اليوم بعد معرفتى الحكم، في زيارة لقصر عائشة فهمى (مجمع الفنون) بالزمالك

وظيفة الضباع القديمة في مصر الجديدة

نشرت في مجلة هيباتيا عام 2014

نشرت جريدة الأخبار يوم 12 أغسطس 1976 خبراً في باب “أخبار الناس” يقول أن منظمة الشباب بالاتحاد الاشتراكي توزع منشورات على أعضائها تهاجم فيها أحمد عدوية وتتهمه بالإسفاف. أبناء منظمة الشباب في الاتحاد الاشتراكي هم بعد ذلك أبناء النوادي الناصرية في الثمانيات وهم أولاد مؤسسي الاتحاد الاشتراكي في الستينات في سلسلة والدها مات بداء النقرس ووالداتها مشير ميت أو مات منتحراً بعد ما عرف بنكسة يوليو.

الهجوم على أحمد عدوية كان هو الظاهرة الصحفية والإعلامية الأبرز طوال عقد السبعينات والثمانيات، وهو هجوم مستمر رغم أن عدوية كان ممنوعاً من الظهور في الإذاعة أو التلفزيون، ورغم هذا فلطالما هاجم الكتاب والصحفيين من أبناء الاتحاد الاشتراكي عدوية وطالبوا بمنعه من بيع الشرائط، هم ذات الكتاب الذين سيطروا في هذا الزمن ويسيطرون في زماننا على الصحافة والاعلام ولطالما طالبواً  بمنع عدوية من الغناء في الكباريهات وصالات الفنادق، ووصل الأمر في 1985 إلي قبض رجال شرطة الآداب على عدوية بتهمة غناء كلمات مخلة بالآداب.

n903460533_3648218_4996
أحمد عدوية صورة من التسعينات

يفترض البعض خصوصاً في أوروبا والدول المتقدمة أن الصحفيين والكتاب والعاملين في مجال المهن الإبداعية هم خط الدفاع الأول عن حرية الرأي والتعبير، وفي الغالب هم كذلك ما عدا في مصر حيث يكون هؤلاء الاعلاميون هم أول من يطلب فرض الرقابة على الإعلام ومحاصرته وإيقاف إعلاميين زملاء لهم عن العمل. تكشف حكاية عدوية وصراعه المرير من أجل مساحة للغناء في مقابل هذه النخبة السياسية والثقافية، كيف أن مثل هذه السلوكيات كالفرح بإيقاف برنامج باسم يوسف أو يسري فودة، أو حتي قرار نقيب الصحفيين الأخير بمنع علاء عبدالفتاح من دخول النقابة بسبب آراء وكلمات لم تعجبه.

مثل هذه الممارسات لا ترتبط فقط بالظرف السياسي، وليست وسيلة قذرة يستخدمها بعضهم في الخلافات السياسية. بل هي جزء من تركيبة شريحة عريضة من إعلامي وصحفيي مصر، وهى نتيجة لعملية تخليق للضباع البشرية المشوهه بدأت مع تأميم ثورة يوليو للصحافة وبسط نفوذها على المجال العام والخاص.

** *

يتجسد وجود السلطة من خلال السيطرة على مجال الحواس الخمس، وتمارس نفوذها في هذا المجال من خلال خلق طبقة من الجنود الاوفياء يحملون درجة مثقف. يكتسبون قيمة وجودهم من حراستهم للفلكلور وسلطتهم المعنوية في تحديد ما هي الهوية وما هي ثقافتها، ما يقع داخلها وما يأتي من خارجها. مشروع زكريا الحجاوى وثروت عكاشة في الستينات كان تجسيد مباشر وواضح لهذه الاستراتيجية، حيث عمل الاثنان علي خلق قاعدة عريضة لما سيعرف بالتراث الشعبي، وتحويل المغنيين والفنانين الشعبيين إلي موظفين في الدولة. وبالتالي تصبح الدولة هي المحتكر للتراث والفلكلور، وحينما يظهر أحمد عدوية كصوت للمدينة (تربي وعاش دائماً في حى المعادى) يصبح من الصعب وضعه في جاليري الدولة كممثل لأى فلكلور منطقي. مثال واضح للخارج المنفلت تحق عليه اللعنة والحصار، ليصنع أسطورته الخاصة اعتماداً على التكنولوجيا الجديدة وقتها (شريط الكاسيت).

الآن وبينما تستعيد السلطة العسكرية نفوذها تعود مرة آخري للتمدد في هذا المجال. وتصبح لقاءات السيسي مع الإعلاميين والفنانين المختارين طقس شهري لخلق ضباع جديدة يعيدون أحياء أدوار الضباع القديمة ويساهمون في بناء مصر الجديدة.

أن يدافع أحد الضباع عن التقييد على زملاء صحفيين وإعلاميين له، أو فرض الرقابة على الآخرين تحت دعاوى محاربة الإرهاب، ليس مجرد موقف منحاز أو موالاة للسلطة. بل دفاع عن وجوده هو ذاته كجزء من هذه السلطة وأحد ضباعها. وفرض الرقابة هو وسيلته التي يهمش من خلالها أي خطاب آخر بحيث يسود خطابه، ويتحول فنه في حالة كونه فناناً إلي فنان معبر عن هوية الوطن كمرآة تعكس فقط تصورات السلطة عن ذاتها المتضخمة “اللى قد الدنيا”.

يظهر هذا بوضوح بالكيفية التي يتم بها الاحتفاء ببعض الضباع بعد رحيلهم ووفاتهم، نشاهد كيف في جنازات أحمد رجب أو مصطفي حسين تظهر كل فروع وتنوعات السلطة في مصر من مؤسسة الرئاسة والمؤسسات العسكرية وحتي المؤسسات المدنية، يرثون زميل حقيقي مخلص لهم، وأستاذ نتعلم من مسيرته.

** *

في شهر سبتمبر الماضي نشرت جريدة المصري اليوم قصيدة بعنوان “المجلس.. قصيدة مباشرة جداً” لعبد الرحمن الأبنودى، القصيدة المباشرة لا يكتفي فيها الشاعر بإعلان موقفه السياسي المنحاز للسيسي فقط، بل يمتد في هجاء طويل لجيل الشباب الضال ويدافع عن نفسه أمامهم بأن كلامهم على الانترنت تخاريف، أما هو فلوجوده مؤسس، لكن الأهم ما احتوته القصيدة من هجاء ضد التمويل الأجنبي، والصف الخامس في الوطن الذي يتم تمويله لنشره التخريف ضد محبوبه السيسي على الانترنت.

بعد أيام قليلة من نشر قصيدة الأبنودي، صدر التعديل الجديد في قانون العقوبات وملخصه عقوبة الحبس لأي فرد أو جماعة تتلقي أي تمويل لعمل أي شيء داخل الأراضي المصرية. في خطوة تستهدف بشكل واضح خنق المجتمع المدني ومحاصرة المنظمات خصوصاً الحقوقية لتضييق الخناق عليها. في الوقت ذاته فالسلطة التي تصدر مثل هذا القانون تعيش على التسول حرفياً لا مجازاً وفي ذات اليوم الذي صدر فيها هذا التعديل كان السيسي في نيويورك يسأل أين الأباتشي التي هي جزء من المعونة.

هل مثلاً كانت قصيدة الأبنودي هي ما أوحي للسلطة السياسية في مصر بإجراء هذا التعديل؟ أم أن الأبنودى -حاشا وماشا- تلقي توجيهات وخطوط عريضة لقصيدته السياسية المباشرة من رأس ما هناك على طريقة بيانات الاتحاد الاشتراكي التي كانت بعدها تظهر مقالات الكتاب المهاجمة لعدوية؟

47815_412270438863031_623163926_n

يستريح البعض لاستخدام تعبيرات العمالة ووصف الضباع بالمخبرين. لكن الضباع بطبيعتها لا تعيش إلا على الجيفة لذلك فعلاقتها مع المفترسات ليست علاقة “تعريض” بل هي علاقة نفعية تصنع التكامل الضروري في الحلقة الغذائية. وبقليل من تهذيب المجاز والقياس بين ضباع الغابة والضباع “المتسابة” يمكننا فهم طبيعة العلاقة بين الابنودى والكتاب والفنانين والصحفيين مع السلطة والنظام الذي يتشكل حالياً.

بدون شعراء كالابنودى وإعلاميين كأحمد موسي وأخوته المدافعين عن تقييد حرية الرأي والتعبير تفقد السلطة صوتها ووجودها في المجال العام، وهم في هذا المجال ليسوا صوت للسلطة بل هم السلطة ذاتها. لهذا لا تندهش حينما يصب موسي غضبه في حلقات من برنامجه على قيادات في الداخلية لا بسبب تجاوزها سلطاتها في حق المواطنين بل بسبب تقصيرها بما يؤثر على مشروع تسيد الضباع والسلطة الجديدة.

** *

المسألة ليست قمع للأصوات المعارضة، بل تأكد أن هذه المجالات تحت سيطرة السلطة، احتواء المواطن في حضن السلطة. هيفاء وهبي في فيلم “حلاوة روح” أو برامج الرقص على قناة القاهرة والناس، ليست أصوات معارضة. كذلك عدوية لم يكن مشروع سياسي معارض. لكن ما يجب أن تشاهده أو تسمعه هو اختصاص الضباع، وظيفتهم أن يحددوا للدولة والمجتمع ما يجب وما لا يجب، ما هو فن راقي ومحترم، وما هو اسفاف ومبتذل.

بعد صنع معيار التقييم تلك يوزعون الغنائم على بعضهم البعض، ويضيف كل واحد لأسطورة الأخر ويدعمه، وأحمد موسي الذي بدأ مساره المهنى مراسلاً في وزارة الداخلية سيصبح العام القادم  الإعلامي الكبير، وبعده الإعلامي القدير وحينها ستتوسع سلطته لتحديد ما هو الإعلام الوطنى الهادف وما هو الاعلام المسف. حتي يصبح بعمله الإعلام رمز ومعبر عن الهوية المصرية، مثلما أصبح مصطفي حسين رمزاً وطنياً وقبلها كان الحال مع صلاح جاهين.

يبدأ الضباع في الالتهام من الأطراف، ومن القضايا التي يعرفون أنها قد لا تلقي تأييد مجتمعي واسع. فيصبح عدوية هو مغنى الكباريهات والكباريهات أماكن الفسق والفجور، وعدوية مغنى الفسق والفجور. مثلما يصرح مساعد وزير الداخلية بأن الغرض من الرقابة على الانترنت هو محاربة ازدراء الأديان والشذوذ الجنسي والأخطار التي قد تهدد قيم المجتمع وثوابته.

الضباع تخلق المجتمع من خلال خلق هوية جمعية يتم مدحها والمبالغ في تعظيمها ليصبح الشعب المصري أعظم شعوب العالم، لكن الشعب المصري العظيم لا يحتوى على الاخوان ولا تجار الدين ولا الممولين ولا معارضي السيسي. شعب متخيل لا يوجد إلا في ذهن الضبع. بعد خلقه يتم وضع سمات لهوية هذه الشعب قيم ومبادئ. حينها يتم اختراع الأخلاق. ومن الخلاق تصاغ القوانين ثم ينصب الضبع المحكمة ويقف عليها قاضياً.

تسير الأمور على مايرام، ثم تظهر التكنولوجيا. وأينما وجدت السلطة وجدت الرقابة. وبالتكنولوجيا يوسع الناس والأفراد مدى حواسهم وقدرتهم على صنع عوالم خفية أحياناً أو تسير في مسارات بديلة خارج نطاق أوهام وعوالم الضباع.

المستقبل على طريقة السبكى

يمكن تصور المستقبل على طريقة السبكي، يصعد الآلهة الأمريكان إلي جبال الأولمب، يتخلون عن المنطقة ويقلصون من ميزانيتهم العسكرية الموجهة لهذه المنطقة. ينوعون في مصادر الطاقة ويتخلون شيئاً فشيئاً عن البترول. من خلف الأطلسي سيخلق الآلهة الأمريكان بشر أنصاف آلهه، سيمنحونهم أجزاء من طاقتهم. كأن الأله يوزع قدراته، فيجعل من هذا إله للإعلام، إله لكأس العالم ودوريات الكرة الأوروبية، إله لطائرات الأف 16، إله للارهاب، وآخر للمقاومة، وثالث للإسلام الوسطى.

الفن ككمين يُنصب في جُنح الليل

يستشهد بسام الباروني في مقدمة الكتاب/ المشروع “خمسة عشر سبيلاً إلى تعدى باديو” بمقولة الفنان والكاتب الأوروغوانى لويس كامنتزر التى يعرف فيها “النظام” بأنه “يترسخ في إطار القوانين والمراسيم والبروتوكالات، أو يظهر ببساطة كتعسف السلطة”.

يصلح هذا التعريف لفتح الكثير من النقاشات في المجال السياسي حول معنى الشعار الشهير “الشعب يريد إسقاط النظام” وهل سقط النظام بالفعل؟

 لكن في الكتاب الذي صدر مؤخراً عن منتدى الإسكندرية للفنون المعاصرة يأخذنا بسام البارونى من تعريف “كامنتزر” إلى طرح تساؤلات آخري حول نظام إنتاج الفن المعاصر وذلك بصحبة فيلسوف فرنسي وخمسة عشر فناناً عربياً ومقال نقدى لسهيل مالك.

من الصعب تصنيف كتاب “خمسة عشر سبيلاً إلى تعدى باديو” حيث يقع الكتاب بين مجالات عدة تبدأ من الفلسفة وتنتهي بالفن. يتكون الكتاب بشكل أساسي من مقدمة لبسام البارونى، ثم ترجمة عربية أعدها خالد حديد للأطروحات الخمسة عشر الفيلسوف الفرنسي آلان باديو عن الفن المعاصر مع ترجمة محاضرة باديو التى قدم فيها تلك الأطروحات للمرة الأولى عام 2003 ثم دراسة لسهيل مالك عن الأطروحات. بعد ذلك دعى بسام البارونى خمسة عشر فناناً ليقدم كل منهم عمل فنى يشتبك مع أطروحة أو أكثر من أطروحات باديو. ليخرج الكتاب مزيجاً بين مجالات متعددة ومحققاً لوصية باديو نفسه الذي يري أنه “من واجب الفلسفة أن تصوغ فكرها قدر الإمكان قريباً من موقف اللا-فلسفة”.

059-01-8159

ابن سارتر ولاكان

حينما زار آلان باديو فلسطين عام 2009 قدم نفسه للجمهور العربي قائلاً: “ بداية، أنا ابن مستعمر أقام في المغرب لكنه سرعان ما عرف حقيقة الاستعمار وأهدافه اللاإنسانية وناضل ضده وابعد لفرنسا ثم ناضل ضد الاحتلال النازي لفرنسا، وكان من أصدقاء المهدي بن بركة. لذا فأنا من عائلة مناضلة، ولدت في المغرب وعشت فيها 5 سنوات. ساعدت الجزائريين في ثورتهم وأنا شاب ( لذا فأنا ارهابي ) .. درست الفلسفة في جامعة باريس واليوم ادرسها في سويسرا.”

هذا التعريف الموجز يصلح كمفتاح لفهم السيرة الذاتية لباديو المولود في الرباط بالمغرب عام 1937. لكن المشروع الفكرى والفلسفي لباديو يتسع إلى ما هو أبعد من المجال السياسي. ففي مراحل دراسته للفلسفة كان باديو  موزعاً ما بين الصراع البارز وسط أعوام الستينات تحت تسمية “الوجودية” من جهة، و”البنيوية من جهة آخري.

ورغم التعارض الظاهرى بين الاتجاهين إلا أن باديو يأخذ من الاتجاهين ما يصفه بأنه المهمة الأبرز للفلسفة وهى منح الشجاعة. فمن الوجودية تحتفظ فكر وأطروحات باديو بالحد الأدنى من البطولة الوجودية ومن البنيوية يتمسك باديو بأطروحات لاكان والذي رغم رؤيته المتشائمة والذاتية يراه باديو يحتفظ دائماً بشيء لا يقبل للانحلال كتمسكه بعبارة “لا تتنازل عن رغباتك”.

شكلت كتابات باديو منذ نهاية السبعينات وحتى اليوم ما صار يعرف بالتيار الفلسفي المعادى لما بعد الحداثة في قائمة تضم أسماء كأنتونيو نيجري و اجامبيون وسولافيك جيجك.

لذا فالفيلسوف الذي يكتب كتب بعناوين مثل “مفهوم النموذج” أو “نظرية الذات” لا يجد غضاضة في أن تمر سنوات طويلة دون أن يكتب فيها كتاباً فلسفياً وحداً أو يصدر كتاب في الهجاء السياسي مثل كتابه “معنى ساركوزى”. فالنشاط الفلسفي عند باديو على حد تصريحه في مقابله صحفية هو “سعى المرء لإعطاء شيء من الشجاعة للجميع. فحتى الفيلسوف الأكثر خيبةً وتخيباً منذور لهذا الغرض: إذ يمكن استبطان الخيبة ورفعها إلى مستوى المثال عند البعض”. ومن هناك يأتي انفتاح باديو بشكل خاص على المجالات الفنية المختلفة ومنها “الفن المعاصر”.

نظام الفن المعاصر

في محاضرته التى ألقاها للمرة الأولى بمركز الرسم في نيويورك عام 2003 وحملت عنوان “خمسة عشرة أطروحة عن الفن المعاصر”. يوضح باديو من الأطروحة الأولى حتى الأطروحة الثامنة الحدود والمعالم التى يتصف بها الفن الذي يمكن وصفه بأنه فن معاصر. ويشرح بوضوح صفاته العامة والبروتوكالات الراسخة التى يلتزم بها ليحصل على لقب “معاصر”.zizek-and-badiou

من الأطروحة التاسعة وحتى الأطروحة الخامسة عشر يعرف ويحدد باديو ما يسميه “بالفن اللا-إمبيريالى”. وفي هذا التعريف يتكأ باديو على مفهوم الإمبراطورية لأنتونيو نيجري كنظام حاكم لواقعنا السياسي والاقتصادي، ويحاول باديو وضع مجموعة من القيم والأطروحات التى من خلالها يمكن للفن المعاصر أن يعمل بشكل حر خارج قواعد الإمبراطورية وأن يكون في موضع مُضَاد لقواعده أو على حد تعبيره في الأطروحة الثانية عشر “ينبغي للفن اللا-امبيرالى أن يكون متماسكاً كشرح حسابي، مفاجئاً ككمين يُنصب في جُنح الليل، وسامياً كنجمة”.

سبل لتعدى الإمبراطورية وباديو

في دراسته عن الأطروحات الخمسة عشر والتي تحمل عنوان “الأشكال بين الفن والكونية: شرح توجيهي لـ “الأطروحات الخمس عشرة عن الفن المعاصر” لألان باديو يوجز سهيل مالك في المقدمة رؤية باديو قائلاً: “يهبط الفيلسوف علينا من السماء –أو من باريس، أو مايو 1968، كل ذلك سواء لدى هؤلاء- ويُخبرنا بالتالى:

-الفن يكون حقيقياً عندما يُنتج ذاتية لا متناهية عبر مجال الحواس.

-الإمبراطورية هى السيطرة على ماهية وكيفية العالم، على كل ما هو ممكن، من خلال النظام الرأسمالى وسلطة الدولة.

-يمكن للفن أن يتحدى الإمبراطورية، أو حتى أن يكسر نفوذها، حين يكون معنياً بالحقيقة (أو، في صورة معاكسة، الفن المعاصر يخضع للإمبراطورية”.

مثلما هناك إغراء للوقوع تحت سيطرة الإمبراطورية فهناك إغراء آخر في الوقوع تحت أفكار وأطروحات باديو. ومن هنا تأتى أهمية ذلك الكتاب/ المشروع الفنى. فلا يقدم منتدى الإسكندرية للفنون أطروحات باديو بصفتها مانفيستو أو جهد تنويري يسقط علينا من أعلى بل يفتح المجال أمام خمسة عشر فناناً من أجيال مختلفة للاشتباك مع أطروحات باديو ومعارضتها في بعض الحالات.

لذا فقراءة الكتاب والإطلاع على أعمال الفنانين المشاركين في المشروع هى دعوة لإعادة التفكير في مكانة الفن الآن في ظل التغيرات والتحولات التى تشهدها الإمبراطورية والتغييرات الشكلية التى يمر بها “النظام” الضابط للمجال السياسي والاجتماعى في مصر.

لذا نشاهد في الكتاب الفنان محمد علام ينشر حواراً متخيلاً على صفحته على الفيسبوك بينه وبين آلان باديو حول أطروحته الخامسة عشر. ونفس الأسلوب تتبعه عريب طوقان حيث تقدم عملها “ماركسية على عشاء تلفزيونى” بحوار تخيلي مع باديو، أما منى مرزوق في عملها “حاملات اللعنة” تقف منى في المسافة الفاصلة بين صراع الإمبراطورية والفن، حيث داخل الصراع على حد تعبير منى تصنع أشياء مثير للاهتمام”.

معظم الأعمال أتت محاولة الاشتباك مع باديو بشكل أو آخر، لكن في المنتصف يقف عمل عادل السيوى بشكل ما من أطروحات باديو ومن اليقين الدائم لمصاحب للتعريفات “الفن هو..” أو “الفن ليس” في بورتريه عصام محفوظ حيث الصورة معكوسة لحلاق يقص شعره أحدهم. إلى جانب مشاركات لكل من؛ محمد عبد الكريم، دعاء على،  حمدى عطية، بسام البارونى، حازم المستكاوى،  محمود خالد، حسن خان، باسم مجدى، ستانس،  أكرم زعتري، طارق زكن.

ننشر هنا أطروحات باديو الخمسة عشر بترجمة خالد حديد البديعة والدقيقة آملين. لا تقديماً فقط لباديو وأطروحاته بل احتفاء بتجربة نشر متميز تمثل إضافة نوعية للمكتبة العربية.

———————— —

نشرت في أخبار الأدب في 2012

إيمان مرسال: عن البوليس وشَعْر المواطنين

في ليلة عيد الفِطر سنة ١٩٩٥، أوقف البوليس على كوبري مدينة المنصورة طالباً جامعيّاً كان في طريقه لقضاء العيد مع أسرته. سألوه عن إثبات الشخصيّة، أعطاهم بطاقته، وضعوه في عربة الشرطة لعدّة ساعات واصلوا فيها توقيف العابرين والتأكد من هويّاتهم. في الفجر، تركوه يمضي ولكن بعد أن أعلن ضابط الدوريّة رأيه في طول شعْره: “ما قصّتش شعْرك ليه قبل العيد ياله، انت خول ولا إيه؟” في القاهرة، في نفس الليلة، أوقف ضابط بوليس فناناً تشكيليّاً شاباً وسأله عن وجهته وأوراقه، أمسك بالبطاقة الشخصيّة وقبل أن ينظر فيها قال له: “انت فاكر نفسك مين وليه حالق لي راسك كابوريا؟”. لا توجد مادة في القانون المصريّ تتناول الطول القانونيّ الصحيح لشعْر الرجل. مع ذلك، يعبّر رجال البوليس، يد الدولة القويّة، عن ذوقهم الشخصيّ في قصّات الشعْر وفي الرجولة وفي شكل المواطن الصالح. إنهم محميّون بقانون الطوارئ والذي يعني بشكل كبير غياب ما يمكن أن نسميه “القانون”.

لابد أنني حكيت لأحمد ناجي هذه القصّة وتأثيرها الكبير عليّ في التسعينيّات. لقد هزّتني معرفتي الوثيقة ببطليها أكثر من حوادث منع الكتب والأفلام والصحف خلال تلك الفترة. بدت أكثر رعباً من قضيّة الحسبة الشهيرة ضد نصر حامد أبو زيد والتي انتهت بإعلان إحدى المحاكم المصريّة أنه “مُرتدّ”. طبقاً لفهمي وقتها، محاكمة أبي زيد كانت نتاج وجود بعض قوانين العصور الوسطى في يد نظام يدعي أنه ليس من العصور الوسطى، نظام عسكريّ يدعي العلمانيّة، مسلم متديّن، بوليسيّ، أخلاقي، عائلي، بيروقراطي، فاسد، ويستخدم تلك القوانين في لعبة الصراع والنفاق والتواطؤ مع فئاته الداخليّة ومع الإسلاميين حسب الطلب. مع ذلك، بدت عشوائيّة هذا النظام المهلهل أكثر رعباً في تقييمه لقصّات الشعْر. كيف يصبح مواطنٌ ما مهدداً لمجرد تحركه في الفضاء العام للمدينة بسبب شعره فقط؟ دعني أقول أنني كنتُ وقتها خائفة كمواطنة أكثر من خوفي كمثقفة.

المثقفون أيضاً مواطنون

لقد رأى أنطونيو جرامشي منذ عقود، أن المثقفين ليسوا طبقة اجتماعيّة مستقلّة؛ فهم أنواع وفئات مختلفة، يرتبط كل منهم بأصوله الطبقيّة، تعليمه، ما يتبناه من أيديولوجيا ومصالح. يمكن أن نضيف الكثير لهذه القائمة؛ مثلاً الفرديّة، والتوجّه الجنسيّ، وحتى الاختيارات اللغويّة والفنيّة. ولكن قبل وبعد كل هذا، يرتبط المثقف في تاريخنا العربيّ الحديث بكوارث الصورة الشخصيّة وانعكاساتها. لقد تكوّن مفهوم ما عن تفوّق مثقفي القرن العشرين في ثقافتنا باعتبارهم مختصّين بصناعة الأفكار في مجتمعات تعاني من الأُميّة، وبكونهم قادة معارضة الاحتلال والديكتاتوريّات وطرفاً في الصراع الطبقيّ وفي النقاش حول التخلّف المجتمعي، وإضافة لتميّزهم بسبب كل ما سبق، ظلوا الجماعة القادرة على “التعبير” عن مصالحها حتى لو كان صوتهم يأتي في أغلب الأحيان من داخل المنظومة التي يعارضونها.

هناك من لم يقبل بهذه الصورة في المشهد الثقافي العربي طوال القرن العشرين، كتّاب وسينمائيون وفنانون يمكن رسم سلالتهم في سياق آخر. ولكن صورة المثقف كصوت وممثّل لجماعة أكبر منه وكضمير لأمته أو طبقته لم يتم التنكيل بها لأسباب شتى إلا في تسعينيّات القرن الماضي على يد جيل لم يشارك في صناعة المشاريع القومية الكبرى ولا المشاريع الثقافية الكبرى التي دعمت خطاباتها. حاول أن تتخيّل كاتباً في عشرينياته ينظر بغرابة لمثقف قوميّ كبير وهو يدافع باستماتة عن حرية التعبير في قضايا مرفوعة ضد فيلم “المهاجر” في منتصف التسعينيّات أو بعد ذلك رواية “وليمة لأعشاب البحر”، أو  أزمة “الروايات الثلاث” بينما يدافع بنفس الاستماتة عن صدام حسين أو القذافي، ويطالب بأقصى عقاب على بعض الاسلاميين في محاكمات هزليّة أو على علي سالم بدعوى التطبيع.. إلخ. في الحقيقة، في كل مرة كانت تندلع فيها نيران التضامن العارم مع حريّة تعبير أحد المثقفين، كانت مشاعري لا تخلو من اختلاط التضامن المبدئيّ بالتوتر والسخريّة، وربما القنوط. مثل آخرين لاحقين منهم أحمد ناجي نفسه، لا أستطيع أن أنسى أن معظم مثقفينا لا يتضامنون بنفس الحماس عندما يأتي الأمر لحقوق الإنسان بشكل عام، كأن التضامن مع حريّة التعبير هو الأسهل والأكثر أماناً من غيره. أتخيّل الآن أن ناجي سيضحك من بعض المتضامنين معه بينما ما زالوا يبررون مشاهد القتل وسجن المعارضين السياسيين وتجاوزات الشرطة وينفون وجود حالات اختفاء قسريّ في عهد السيسي.

15157014_1852249128343889_4596390642218850267_o

شروط التضامن مع حريّة التعبير

هناك تضامن كبير مع حريّة أحمد ناجي في الكتابة، والخيال، واستخدام اللّغة. هناك على الأقل جملة يلتف حولها كثيرون تقول: “لا يجب أن يذهب الكلام للمحاكم”. أنا لا أكتب هذه المقالة من أجل تأكيد هذه البديهة، لم يكن ناجي ليفعل ذلك لو كان مكاني، هكذا أعرفه وأشعر بحزن غامر لأنه في السجن بينما أنا أكتب.

في نفس الوقت، قرأنا بعض الآراء -في سياق الحكم على الكاتب بالسجن-  ويجب أن نقف أمامها، دعني أُلخصها لك في النقاط التالية: تكتل المثقفين حول قضية كهذه مدعاة للسخريّة حيث أنهم معزولون وبلا تأثير. رواية “استخدام الحياة” ليست جيدة وخالية من “الإبداع” الذي يستحق التضامن. أخبار الأدب التي نشرت الفصل سبب المحاكمة تصدر بأموال دافعي الضرائب ولم تحترم الميثاق اللغوي أو الأخلاقي للمجتمع وهي تُعبّر فقط عن آراء محرريها. تحتوي الرواية على “بذاءة” والبذاءة أيضاً نوع من العنف الذي لا يستطيع إقامة حوار مع المجتمع. بالطبع، قوبلت هذه الآراء برفض وسخرية من بعض المتضامنين مع ناجي وأنا منهم.

هذا التضامن اللافت وهذه الآراء التي تشكك في أسبابه وجدواه ودلالته تطرح بعض الأسئلة: هل من شروط التضامن أن يكون صاحب الحق له تأثير على المجتمع؟ هل هناك شروط للتضامن مع قضيّة محدّدة تخصّ حريّة التعبير؟ هل يُشترط في الدفاع عن حريّة أحد أن نتفق مع ما يقوله، مع كيفيّة قوله؟ هل يجب أن ننادي بالتخلص من أي هامش تسمح به مؤسسات الدولة الثقافيّة لتناسب تصورنا عن أخلاق دافع الضرائب؟ أليس أحمد ناجي وبعض قرائه من دافعي الضرائب أيضاً؟ ما هو كنه هذا المجتمع الذي تنجح رواية في إقامة حوار معه أو تفشل بسبب بذاءتها، وكيف تعلّم الكاتب وهو أحد أفراد هذا المجتمع النقيّ – البذاءة؟

الجماعة الثقافيّة ليست جيشاً ولا يجب أن تكون

دعنا نتذكر أن الجماعة الثقافيّة ليست جيشاً، وأنه لا مجال لمطالبة أفرادها بالاتحاد خلف حرب ما. دعنا أيضاً نعترف أننا كأفراد لا تعترينا نفس الدرجة من الغضب كلما تم الاعتداء على حرية آخرين من نفس الجماعة الثقافيّة – ربما لأسباب قيميّة أو إيديولوجية أو شخصيّة – وأن هذا ليس مأزقاً أخلاقيّاً بالضرورة ما دمنا لا نبرر ولا نقبل بأي شكل من الأشكال الاعتداء على حرياتهم لهذه الأسباب.

إنني أسأل نفسي قبل الآخرين إذا كان غضبي الشديد من سجن ناجي له علاقة باهتمامي بكتابته، بانتمائي لها، بفهمي لعالمها. وإجابتي هي: نعم!

لقد فتحت مدوّنة  أحمد ناجي“بيسو” منذ بدايتها ٢٠٠٥ مع مدوّنات أخرى باباً واسعاً للغة حيّة خارج تعليبات الأنواع الأدبية والصحف الورقيّة والرقابة. إنه منذ البداية لا يقدّم نفسه ككاتب تنويريّ أو كمثقف يريد كسر تابوهات المجتمع؛ إنه في الحقيقة لا يخاطب وحشاً افتراضيّاً يسمونه المجتمع. لقد أدهشني استغراق ناجي من وقت لآخر في متابعات تناسب مزاجه وأسئلته، مثل مقالاته عن المهرجانات، أو السعوديّة، أو القاهرة، ودراسته الهامة عن الجرافيتي “يحيا الفن الزائل” في ٢٠١١.

295389_540137946024580_408280608_n (1)
صورة ثلاثية من اليمين لليسار: نائل الطوخى، أحمد ناجى، محمد ربيع في مدخل دار ميريت في مقرها القديم بشارع قصر النيل

بالنسبة لي، يمثل أحمد ناجي مع نائل الطوخي ومحمد ربيع وأحمد شافعي وآخرين من كُتّاب الأجيال الأحدث أهم ما يحدث في الكتابة المصريّة الآن. أُضيف إلى هذا التحيّز للكتابة، الامتنان لوجود مثل هؤلاء الأشخاص حولنا، بحواراتهم ولغتهم وطزاجتهم ونديّتهم والاقتراحات التي يقدمونها لنا كقراء أو كمهتمين بالكتابة. الأكثر من ذلك، أنهم ربما يمثلون الجيل الأول الذي لديه هذه الحرية في اللعب الحقيقيّ باللغة والتخييل السرديّ دون رغبة في صدم أحد أو في بطولة طليعيّة، دون خوف أو قلق من صورة المثقف التي نشأنا تحت وطأتها وفقدنا الكثير من الوقت والطاقة في رفضها. نعم يجب أن نرفض أي اعتداء على حريّة التعبير، ولكن يجب أن نتصالح مع حقيقة أن هذا الغضب يستمد طاقة أكبر عندما يتم الاعتداء على ما نستمتع به وندعمه ونظن أنه يخصّنا.

صدمة القارئ وصدمة المجتمع

إذا كان لدى نص ما قدرة على الصدم، فإنه لا يصدم إلا قارئه. إنه قارئ فرد يجلس على الحافة بين مجتمع لا يقرأ وبين النصّ الذي أمامه. يشعر القارئ بالصدمة كنتاج للعلاقات الدلاليّة في النصّ وليس داخل المجتمع. قد يسبق المجتمع في لغته ما يمكن أن يُكتب. أنت تسمع كلمة “كُس” كل يوم في شوارع القاهرة ومع ذلك تظل صادمة عندما تقرأها في “استخدام الحياة”. لماذا؟

يقول ميشيل ريفاتير الذي فكر في هذا الأمر لأسباب أخرى إن الصدمة التي تسببها العلاقات النصيّة ليست نتاج كسر العادات والتقاليد المجتمعيّة ولا محاكاتها، إنها قد تأتي من التقليد الساخر، من توسيع الدلالة أو تضخيمها، من صناعة خلل داخل السرد يجعل أكثر المفردات عاديّة تشبه النتوءات وتورط القارئ في لعبة التبديل والإحلال. التبديل اللغوي هو لعبة الكاتب ومادته.

ما يسميه ريفاتير بـ “الفضيحة اللغويّة” يكون له صدم مستمر حتى في أكثر المجتمعات تحرراً، ذلك أنها نتاج النصّ وليس نتاج الذوق العام. دليل ريفاتير على ذلك بديهيّ للغاية، لو كانت الفضيحة اللغويّة في نص ما هي نتاج اختلافها عن أخلاق المجتمع، لفقد هذا النصّ قدرته على الصدم، بصمته، بمجرد تغيّر هذه الأخلاق، وهذا ما لم يحدث مع مئات النصوص من “نشيد الإنشاد” وحتى “أناشيد مالدورور” للوتريامون. هذا يجعلني أفكر أن هؤلاء الذين يظنون أن الفضيحة اللغويّة بذاءة، أو أن الصدم هو نتاج مخالفة عادات المجتمع أو محاكاتها، هم نفسهم الذين يصدقون أن على المثقف أن يحافظ على صورته القديمة للأبد، أو أنه يسعى لحوار مع مجتمع مفترض ليس موجوداً إلا في أذهانهم.

أصدق القارئ الذي تسارعت دقات قلبه عندما قرأ الفصل الخامس من “استخدام الحياة” في أخبار الأدب، بل ويمكنني أن أحكي له كيف حدث لي ذلك عندما قرأت “تلك الرائحة” وأنا طالبة في الثانوي، وكيف شعرتُ بنفس الصدمة وأنا أقرأ جورج باتاي بعد ذلك بسنوات. الصدم أحد ملامح القراءة المُنتجة. تبدأ الكارثة عندما يظن هذا القارئ الفرد أن ما يخدشه يخدش أخلاق المجتمع الذي لم يقرأ ولم يكن ينوي أن يقرأ الرواية، ويقوم بتنصيب نفسه ممثلاً لهذا المجتمع فيرفع دعوى قضائيّة، ثم يقوم القاضي بقراءة الرواية نيابة عن المجتمع فيقرر أن يعاقب كاتبها. بمعنى آخر، لا توجد مشكلة في تصوّر ضابط بوليس ما، كمواطن، عن طول الشعْر المناسب للرجولة الحقيقية، ولكن تحدث الكارثة عندما يعاقب مواطنين مثله مستخدماً سلطته وغياب القانون في ذلك. لسنا في حوار مع رافع الدعوة ضد ناجي ولا القاضي الذي يحمى المجتمع منه ولا ضباط البوليس. نحن في حوار شئنا أم أبينا مع من تشغلهم الكتابة والقراءة ثم يتحدثون عن وجود شروط للتضامن مع الحريّات.